•  منذ 1 سنة
  •  0
  •  0

أحكام الاحتيال عبر الإنترنت في الشريعة الاسلامية

عندما نحاول تتبع أحكام الإحتيال في الشريعة الاسلامية تواجهنا إشكالية في كتب الفقه الإسلامي سواء منها القديمة أو المعاصرة. وهي أن هذه الكتب تركز اهتمامها على جرائم الحدود والقصاص على حساب جرائم التعزير. فتناولت بالتفصيل جرائم الحدود والقصاص مبينة أحكامها وشروطها ودقائقها التفصيلية، وتركت جرائم التعزير بدون تحديد أو تفصيل واكتفت كثيرا بنبذة بسيطة عنها.

وجرائم الحدود والقصاص هي تلك الجرائم التي نص عليها القرآن والسنة وحددا عقوبتها وهي سبع جرائم في الحدود بالاضافة إلى القصاص، وأما جرائم التعزير فهي كل فعل محرم لم ينص على عقوبته في الشرع وإنما ترك تحديد العقوبة عليه لولي الأمر ولجماعة المسلمين.

وهذا النوع الأخير هو الدائرة الأوسع من الجرائم، لأنه يشمل كل فعل غير جرائم الحدود والقصاص. وكثير من جرائم التعزير قد نص فيها الشرع على الفعل المحرم ونهى عنه إلا أنه لم ينص عقوبته، وبعضها لم ينص الشرع لا على الفعل ولا على العقوبة. وفي حالة النص على الفعل فإن دور المقنن المسلم يقتصر على تحديد العقوبة، وأما في حالة عدم النص على الفعل فإن دور المقنن يشمل تجريم الفعل وتحديد العقوبة. وفي هذه الحالة الأخيرة تنشأ مشكلة أخرى هامة وهي تحديد المعيار الذي على أساسه يعتبر الفعل جريمة شرعا من عدمه.

بالنسبة لجريمة الاحتيال فهي من النوع الأول من جرائم التعزير، أي النوع الذي نص الشرع على الفعل لكنه لم ينص على عقوبته، مع ذلك فإنه بالنظر إلى أن جريمة الاحتيال من جرائم الأموال فإنه تنشأ بصددها مشكلة التمييز بين المدني والجنائي، أي التمييز بين الأفعال التي تستوجب التجريم والأفعال التي يكفي فيها التعويض المدني دون التجريم.

وبالاضافة إلى ذلك فإن جريمة الاحتيال كغيرها من جرائم التعزير لم يتطرق الفقهاء المسلمون إليها بتفصيل أحكامها وشروطها المختلفة. ولذلك فإن هذا المقال سيحاول صياغة نظرية عامة لجريمة الاحتيال في الفقه الاسلامي مستعينا بالنصوص الشرعية وقواعد أصول الفقه.

تتضمن أهم عناصر النظرية العامة لجريمة الإحتيال في الشريعة الاسلامية كما يتصورها هذا المقال عنصرين رئيسيين:

1- الخداع.

2-معيار تجريم الاحتيال والتفرقة بينه وبين الغش المدني.

وسنتناول هذه العناصر على النحو التالي:

المطلب الأول: الركن المادي ( الخداع )
الأصل في الشريعة الإسلامية هو تحريم الخداع في المعاملات، والمخادع المحتال على الناس موعود بأشد العذاب في الآخرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( الخديعة في النار ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد )) [1]. والخديعة في الحديث: أي صاحب الخديعة أو المخادع [2].

وهذا الأصل العام تدل عليه أيضا نصوص جزئية كثيرة تضمنت عددا من صور الخداع والغرر المنهي عنها شرعا، وهي صور يصح أيضا أن تعد أصولا بذاتها يقاس عليها ما عداها. ومن أهم هذه الصور تصرية اللبن والنجش وتلقي الركبان وحلف اليمين، وسوف نتطرق إلى هذه الصور ثم نتوصل منها بإذن الله تعالى إلى استخلاص قاعدة عامة تنطبق على الإحتيال في الشريعة الإسلامية.

1-تصرية لبن الماشية:

التصرية هي حقن اللبن في ثدي الحيوان أياما حتى يوهم ذلك أن الحيوان ذو لبن غزير [3]. والأصل في هذه الصورة هو حديث المصراة (( لا تصروا الإبل والبقر )) [4]. وهذا الحديث فيه دليل على تحريم التدليس في كل شيء [5]. وعده بعض العلماء أصل في تحريم الغش [6].

ومن الواضح أنه في هذه الصورة من الاحتيال والغش يقوم البائع بعمل مادي هو حبس اللبن في ضرع الحيوان لمدة ثلاثة إلى أربع أيام حتى يتجمع في الضرع، فإذا رآه المشتري ظن أن هذا اللبن الكثير هو عادتها وانها مدرارة للبن فحمله ذلك على شراءها.

فالبائع في التصرية لا يكتفي بالكذب المجرد، بل يعزز ذلك بعمل مادي، هو التصرية للبن، ومن ثم يمكن القول بأن هذه الصورة هي أصل في تحريم كل طرق الغش والاحتيال المصحوبة بعمل أو مظهر زائف وخادع يعزز كذب المحتال ويحمل المشتري على تصديقه ودفع المال له.

والقوانين الوضعية المقارنة تجعل هذه الصورة هي ركن الاحتيال وشرط رئيسي للقول بوجود الجريمة، فإذا لم يكن الكذب معززا باعمال أو مظاهر خارجية تؤيده فإن الجريمة لا تقوم في هذه القوانين.

2-النجش:

النجش هو أن يمدح شخص السلعة ليروجها عند المشتري أو ليزيد في سعرها وهو لا يقصد شراءها لنفسه وإنما يقصد أن يقع غيره فيها ويشتريها [7]. وقد يكون النجش بدون علم بائع السلعة، ولكن الغالب في العمل أن يكون بعلمه وبالاتفاق معه بهدف التغرير على المشتري.

وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن النجش فقال: ( لا تناجشوا ) [8]. قال في شرح سنن ابن ماجة ( في قوله لا تناجشوا بصيغة التفاعل لأن التجار يتعاوضون فيفعل هذا بصاحبه على أن يكافئه بمثل ما فعل، فنهوا أن يفعلوا معاوضة فضلا عن أن يفعلوا بدءا)[9]. ويماثل النجش أسلوب الاستعانة بالغير الذي يذكره الكثير من شراح القانون الجنائي ضمن الطرق الاحتيالية المكونة لجريمة الاحتيال.

3-ترويج السلعة بحلف اليمين:

وردت أحاديث كثيرة في النهي عن ترويج السلعة بحلف اليمين، فروى البخاري عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (( الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة )) [10]، وفي سنن ابن ماجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (( إياكم والحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق )) [11].

ومعنى الحديثين أن حلف اليمين يروج السلعة لدى المشتري لأنه يجعله يصدق كلام البائع ويدفع له المال، ولذلك نهى عنه الشرع لحكمة نفي الغرر، ومع أن الحديث ورد بالاطلاق أي بالنهي عن حلف اليمين مطلقا إلا أن السياق يقيده باليمين الكاذبة [12].

وهذه الصورة من الاحتيال مختصة بالإسلام وبالمسلمين، لأن حلف اليمين يخدع المسلم فيصدق المحتال، ولكن هل يمكن أن يعد حلف اليمين من الأعمال المؤيدة والمعززة للكذب؟

وفقا للمعيار المأخوذ به في القوانين المعاصرة يعتبر حلف اليمين مجرد ترديد للكذب وإعادة له بطرق مختلفة لأنه لا يتضمن عملا ماديا أو مظهرا زائفا، وبالتالي فإنه لا يدخل في الطرق الاحتيالية وفقا لهذه القوانين.


4-تلقي البيوع:

نهى الاسلام عن تلقي البيوع أو تلقي الجلب وهو أن يتلقوا الركبان قبل أن يقدموا البلد ويعرفوا سعر السوق، فيخبروهم أن السعر ساقطة والسوق كاسدة والرغبة قليلة حتى يخدعوهم ويبتاعوه منهم بالقليل من الثمن [13]. والأصل في تحريم هذه الصورة من الاحتيال والغش هو حديث النبي صلى الله هليه وسلم (( لا تلقوا الركبان لبيع ))[14].

ومن الواضح أن هذه الصورة من الغش والاحتيال تعتمد على الكذب المجرد فلا يوجد وسائل أو أعمال مؤيدة للكذب كما في الصور السابقة. فالمحتال يخبر الجالب للسلعة أن السوق كاسدة والسعر هابط فيخدعه ويشتري منه السلعة بثمن بخس، وهو هنا لم يفعل أكثر من أنه ردد الكذب على مسامع الجالب حتى انخدع به.

القاعدة العامة:

باستقراء الأحاديث السابقة وصور الغش والاحتيال التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم يمكن الوصول إلى قاعدة عامة تشير إليها جميع تلك النصوص ؛ وهي أن الاحتيال محرم شرعا سواء كان معتمدا على الكذب المجرد أو كان مصحوبا بأعمال مادية أو مظاهر زائفة تؤيده.

ولكن إذا كان الاحتيال والفساد في البيوع محرم بجميع أنواعه سواء كان مصحوبا بطرق احتيالية أم معتمدا فقط على الكذب المجرد، فما هو المعيار المتبع شرعا في التمييز بين الفعل الذي يعد جريمة ويستوجب العقوبة، وبين الفعل الذي يعد مجرد إخلال مدني بالعقد ويستوجب التعويض فقط؟.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.