•  منذ 1 سنة
  •  1
  •  0

مظاهر الفكر النسوي

بقلم: عزيز العرباوي

لقد انخرط الفكر النسوي في التحليل الاجتماعي والنفسي والتاريخي والسياسي، فقدم منظوراً ثقافياً متعدداً لبعض ظواهر الحياة البشرية، فكان واضحاً معالم التفكيك للمجتمع التقليدي؛ لأنه يمثل الحاضنة التي أغنت الثقافة الأبوية الذكورية بكثير من مقوماتها وأفكارها، فترتبت معظم ضروب وأنواع الإقصاء والاختزال التي تعرضت لها المرأة عبر تاريخ البشرية. وفي هذا الصدد نجد الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي في كتابها "الخوف من الحداثة" قد عملت على نقد بنية المجتمعات الإسلامية والعربية، ونقد الخطاب الثقافي الداعم لمقوماتها ومسلماتها، حيث وزعت عملها بين بحث استقصائي محكم عُنِي بإعادة رسم صورة المرأة في التاريخ، وتمثيل ثقافي لدورها في مجتمع تقليدي، واشتبك كلٌّ من البحث والتمثيل معاً بهدف تعويم صورة مختبئة في ثنايا التاريخ والواقع[1].

ومن هذا المنطلق تمكنت فاطمة المرنيسي أن تنفتح على آفاق واسعة ورحبة في مقاربتها لقضية المرأة في المجتمع التقليدي، فكانت تلحُّ على الاندماج الطبيعي المفترض بين المرأة والرجل في عالم يبحث عن الحداثة ويهدف إليها، لكنه منقسم بين غرب يقف حجرة عثرة أمام التحديث، من خلال تمزيق الأنساق التقليدية للعلاقات الاجتماعية التي لا بد لكل تحديث أن يقوم بتفكيكها"، وبين مجتمع أبوي ذكوري مستبد يمنع نصفه الثاني من المساهمة في هذا التحديث بدعوى أنه عورة فاضحة قاصرة ومبتورة ومطمورة، ولكنه نصف مثير للشبق والرغبة، وفي هذا الإطار، كانت المرنيسي في مستوى الناقدات الجريئات اللاتي عملن على العناية بحال المرأة في المجتمعات العربية التقليدية والتي تُحكم "بنسق قيمي لا يقبل الحراك، ويعزف عن التغيير، وهي مجتمعات راحت تفسر كل تحديث على أنه تهديد لهويتها، فتعيش تحت طائلة التأثيم، فكل عمل ينبغي أن يتطابق مع تقليد راسخ أو نص ديني، فالبحث عن المطابقة أهم من التحولات، هذه المجتمعات التي تتخيل مخاوفها، هي مجتمعات التردد والحيرة والثبات، وفيها تتحول المرأة إلى حرباء متقلبة، تُحجب وتُكشف، تُستبعد وتستحضر في آنٍ واحد[2].

ومن الكاتبات اللاتي اهتممن بشؤون مجتمعاتهن الحديثة، نجد الإيرانية آذر نفيسي التي لم تستطعْ أن تجد لنفسها مكاناً في المشهد الإيراني الجديد، فكانت رؤيتها للعالم قد تشكلت في إطار مختلف، وتكوَّن وعيها الثقافي الأنثوي في سياق ثقافة مدنية جرى اجتثاث منجزها الثقافي والسياسي، فنُظر إليها باعتبارها جزءاً من العهد الإمبراطوري، وحاملة للمفاهيم الغربية في الحياة الاجتماعية، فكان أن قوبلت بالازدراء في جامعة طهران (وهي التي بنت مسارها العلمي في سويسرا وبريطانيا وأمريكا على خلفية لبرالية ذات ميول يسارية) حينما التحقت أستاذة للأدب الإنجليزي، حيث دُفعت إلى خوض سجالات دينية في قلب الجامعة، انتهت بهزيمتها أمام تيار جارف من الولاءات الدينية التي جعلها النظام الجديد علامة على الوفاء للجمهورية الإسلامية، فطُردت من جامعة طهران، ولم يمضِ وقت طويل إلا وأقنعها أصدقاء لها بالالتحاق بجامعة العلامة الطباطبائي، باعتبارها أكثر استنارة من الأولى، فإذا بالمراقبة تلاحقها في الحرم الجامعي الجديد، وتشتد في رصد ميولاتها الفكرية، وإدانة سلوكها الشخصي الذي قبِل على مضض ارتداء الحجاب، والامتثال للأنظمة الأكاديمية التي كانت خليطاً من التحيزات الدينية للسيطرة على المجال العام، والرغبة في محو التنوعات الثقافية، ووضع الجميع تحت طائلة المساءلة الفكرية، ثم التحذير من أي سلوك فردي لا يقبل الامتثال للمعايير الأخلاقية التي سنَّتها الثورة الدينية، فانتهت الكاتبة إلى أن حصرت اهتماماتها في المنطقة الأدبية المحضة، وجعلت منها عالمها الافتراضي الذي تفكر وتعيش في داخله، وحينما يئست من قبول الجوِّ المشحون بالولاء والخوف وتحويل التعليم إلى نوع من الإرشاد الديني، قررت أن تنهي علاقاتها بالجامعة، وانصرفت إلى ضرب خاص من الحياة الثقافية بعيداً عن المؤسسة الجامعية، فأنشأت ورشة دراسية حرة في بيتها لسبع من طالباتها المميزات، فمضين يدرسن السرد الأدبي بوصفه عالماً موازياً لعالم الواقع[3].

كما ظهرت في الأفق العام لمصائر الشعوب كاتبة صينية اسمها "يونغ تشانغ" عرضت في كتابها "بجعات برية"، العديد من التجارب المتعاقبة والمتداخلة لثلاث نساء عشن في الصين في القرن العشرين، حيث تداخلت تجاربهن الذاتية بالتحولات الكبرى التي عرفتها البلاد بانتقالها من عصرها الإقطاعي إلى الحقبة الشيوعية. ويرى الدكتور عبد الله إبراهيم أن هذا الكتاب قد غذَّى الصوت الأنثوي المفعم بالحرية والشفافية، ومثلته الحفيدة وهي ترسم سيرة استعادية لجدتها وأمها اللتين كانتا بؤرتين، جرى من خلالهما رسم التحولات الأساسية في المجتمع الصيني الحديث، فكان صوتاً شائقاً في عذوبته، ومفرطاً في جاذبيته، وهو يروي وقائع المأساة الكبرى للتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الصين، ولعلها المرة الأولى التي تستبطن فيها رؤية نسوية حقبة طويلة من التغيرات وآثارها بهذه البراعة من التصوير وقوة التمثيل، فكلما جرى تحول في سياق الأحداث من مرحلة إلى أخرى، تجلى ذلك من خلال الأثر المباشر في إحدى النساء[4].

أما في الوطن العربي، فقد ظهرت بعض الكاتبات اللاتي أغنين الفكر النسوي بكتب ومؤلفات مهمة، وها هي الكاتبة اللبنانية إلهام منصور، التي قاربت مفهوم التماثل الذي يعني أن تصبح الأنثى حرة بمقدار حرية الرجل، فتعرضت لانتقادات كبيرة في الأدبيات النسائية، حيث مثلتْ هذه القضية في كتابها "حين كنتُ رجلاً"، أرادت به أن تكشف ملابسات وأفكار المرأة حينما تتوهم أنها بمحاكاة الذكور سوف تتمكن من انتزاع حريتها ووجودها. وقد جاء كتابها هذا، حسب رأي الدكتور عبد الله إبراهيم، "على خلفية طموح دعوي تطلع إلى إعادة توزيع الوظائف والأدوار بين المرأة والرجل، فإذا كان النظام الأمومي قد سيطر حقبة من الزمن، ثم أعقبه النظام الأبوي لشطر آخر من الدهر، فقد آن الأوان للأخذ برأي ثالث حول تأسيس قول مغاير، شبهته المؤلفة بالتركيب الهيغيلي الجديد الناتج عن الشيء ونقيضه، فهو خلاصة جدلهما، لكنه مختلف عنهما"[5].

وفي هذا الصدد، كان على الكتابة النسوية أن تكرس ذاتها في عملية التعبير عن الهوية الأنثوية التي كانت الثقافة الأبوية والذكورية سبباً في محوها وفي التقليل من شأنها، حيث كانت تتعرض للكثير من المضايقات والأوصاف التي تجعل منها ثقافة وكتابة شاذة تخرج عن المسار الإبداعي والفكري الصائب باعتمادها على تعبير متخيل يروم الهجوم على الرجل... وبالتالي، فالكتابة الأنثوية عموماً تصبح، حسب عبد الله إبراهيم، "فعلاً مجاوراً غايته تنشيط المناطق المهجورة في التمثيل الثقافي، فضلاً عن التركيز على الخبرات الخاصة بالمرأة تجاه جسدها وعالمها، وهو ما فشلت الثقافة الأبوية في تمثيله على نحوٍ صحيح"[6].

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.