•  منذ 5 سنة
  •  0
  •  0

كاتب(ة) : د. خالد الصيفي

الهوية العربية ومتلازمة "حنا العرب يا مدّعين العروبة"

المتتبع للمواضيع المطروحة في وسائل التواصل الاجتماعي وما تحمله من رسائل موجهة للتأثير على الرأي العام بصورة تقلب الوعي وتشوه القيّم، لن يفوته الخطاب الذي يجعل الانتماء العربي حكراً لسكان الجزيرة العربية دون غيرهم من باقي الأقاليم العربية، ذاك الخطاب الذي ينزع صفة العروبة من ساكنة العراق والشام ومصر والسودان والمغرب الكبير ويصفهم بأهل الأمصار بدافع عنصري متكبّر مقرون بجهل مركب، ليزيد بذلك أسباب الفرقة والتشرذم بين العرب.

هذا الخطاب يأتي متسقاً مع النهج الإقصائية الذي ابتلينا فيه منذ رمضان 2017، ذلك النهج الذي يجرّم التاريخ العثماني ويسلخه من تراثنا، ويحث الخطى لشيطنة الصحوة الدينية والتبرؤ منها، ويزدري الفتوحات الإسلامية ويصنّف الإخوان المسلمين (أكبر تيار سياسي بالعالم الإسلامي) كإرهابيين، ويلطّف الأجواء مع الصهاينة، ويطعن بالسنة النبوية. إلا أن الخطاب الذي يعنينا بهذا المقال والذي يختزل العروبة بساكنة الجزيرة العربية دون سواهم لم ينل حظه من الرد والدحض كماً ونوعاً، من قبل الكتاب والمغردين المؤثرين.

وإننا نزعم بخطأ من يظن أن الانتماء العربي مبني على نسب تحويه الأصلاب وتحمله الأرحام فتنقله الأجيال، ولا أدل على ذلك من قصة النبي إبراهيم عليه السلام، الذي لم يكن عربي اللسان ولا المنشأ لكن قطعاً وبأدلة من نصوص الشريعة وإجماع كل النسابة هو أب لشطر العرب، وهم العرب العدنانيون الذين منهم قريش أشرف أحياء العرب، قبيلة الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الأمويون والعباسيون. على أنه وفي تلك الحقبة التي أسكن فيها ابراهيم ابنه الرضيع اسماعيل مع أمه هاجر بمكة، كان هناك عرب صرحاء يجاورونهم وهم قبيلة جرهم اليمنية، والذين يرون إبراهيم جد الرسول عليه الصلاة والسلام أعجمي لا ينتمي للعرب.

وانطلاقاً من هذا القياس وكما تعرّب اسماعيل وبنوه من نسل عدنان بفعل المصاهرة والمخالطة مع جرهم التي اكتسبوا اللغة منها، فإن أهل الأمصار المفتوحة ورغم جذورهم التي تتصل بالآشوريين والفينيقين والأقباط والبربر قد عرّبهم الإسلام، بعدما خالطوا العرب الفاتحين ولهجت ألسنتهم بالعربية وهي الوعاء الحافظ للقرآن وشرائع الإسلام.

فضلاً عن هذا القياس الذي نراه سبب وجيه وأساسي في أحقية عرب الأقاليم بالانتماء العربي أسوة بعرب الجزيرة وبالأخص العدنانيين منهم، فإننا لا نستطيع تجاهل دور الهجرات العربية الكثيفة خارج الجزيرة إبان فترات الفتوحات وما تلاها والتي نراها سبب ثانوي يبرر الانتماء العربي لسكان الأقاليم. ولا يسعنا المجال أن نسترسل في أسماء القبائل العربية وأعدادهم خارج الجزيرة العربية، لكن لا بأس من بعض الاستشهادات ومنها أن الأسر المالكة ذات النسب القرشي لا نجدها بالجزيرة، بينما هي تحكم بالأردن والمغرب.

علاوة على ما نقله المقري في كتابه نفح الطيب ذاكراً مساكن أشرف العرب بعد قريش وهم الأنصار في القرن السابع الشهري "والعجب أنك تعدم هذا النسب بالمدينة وتجد منه بالأندلس في أكثر بلدانها ما يشذ عن العدد كثرة، ولقد أخبرني من سأل عن هذا النسب بالمدينة فلم يجد إلا شيخاً من الخزرج وعجوزاً من الأوس"، وهو القول الذي يؤكده ابن خلدون بمقدمته "اتسعت بلاد العرب وتوزع الأنصار في الثغور في الشام، والأندلس، وإفريقيا، والمغرب حتى خلت منهم المدينة"، ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن بني الأحمر آخر الحكام المسلمين في الأندلس يرجع نسبهم إلى الصحابي الأنصاري سعد بن عبادة.

في الختام، ندعو من يحتكر الانتماء العربي لإقليم معين أو سلالات معينة لأسباب جينية أو جغرافية مجردة من أي تدبر في ماهية العروبة، ندعوه إلى الكف عن ذلك وليعلم أن العروبة هوية ثقافية عمادها اللغة العربية، وأن العربي هو كل من كانت العربية لغته الأم بغض النظر عن عرقه أو مكان مولده.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.