•  منذ 1 سنة
  •  2
  •  2

كاتب(ة) : بلخيثر مليكة

مارك الثري وسجناءه الفيسبوكيين

اليوم بالنسبة لي تغيرت المفاهيم للسجن الحـقـيـقي... ليس ذلك الحائط العالي من الإسمنت ولا يحتوي إرتفاعات جدرانه و أبوابه على أسلاك شوكية و لا أبوابه الحديدية الضخمة تعيق هرب السجناء... و لا يحتوي على قضبان كما ألفناها في مسلسلات الأكشن والرومنيسية.

سجن "مارك" هذا الشاب المتوُّج في قائمة الخمس الأوائل من أثرياء العالم، تعدت ثروته 40 مليار دولار.. سجنه افتراضي مصطلح عليه بالفضاء الأزرق، سجن كل فئات المجتمع بمحض إرادتهم ورغبتهم لأول مرة في التاريخ.

السجين يكتب بياناته على سجلات السجن، وهو من يقوم بإرسالها يقيد حياته من حرية يعيشها الى سجن جحيم بضغط زر واحد موافق يدخله، وتبدأ حريته تسلب منه أجزاء متفرقة وليس دفعة واحدة.. فيقيد الى فقدان التوازن الطبيعي الى الرغبة المتواصلة في السجن ويسلب عقله، ويسبح من سجناء الفيسبوكيين أو عكس، يرزق هذا السجين العقل.فيصلح حياته من الافتراضية الى الواقعية، وهذا يصعب في كثير من الأحيان بعد الإدمان عليه.

متى نستوعب حقيقة عالمنا الواقعي؟! كم ساعة تهدر من حياتك في مراقبة حياة الآخرين؟! ونشرها في العالم الإفتراضي؟! كم وقت قضيته في تأمل السماء الزرقاء أكثر من لحظات العبث في الصفحة الزرقاء للشاب مارك.

هل وفقنا للعيش بكرامة واختيار أحسن الاصحاب وافضل المنشورات؟! هل حددنا أهدافنا بكل حرية وصرخنا بحرية التعبير وأعددنا خطط حياتنا اليومية؟! هل قدنا تجاربنا الى التحقيق او قادتنا الصفحة للأحلام الافتراضية.

كسرت فينا التحدي وجلبت لنا الخمول امام جهاز من صنع أيدي الإنسان.. أخبرني آخر مرة قرأت فيها كتاب مفيدأ !! و كلنا جربنا عبارة "نقول غدا سأقرأ كتاب.. غدا ازور الاهل ....الخ".

هل تحكمت فيه او تحكم فينا ام كنا نشعر بمراقبة الاخرين لنا فنزيف حقيقة واقعنا لنبهر اصدقاءنا الافتراضين! كم كنا محظوظين في قراءة المنشورات التافهة و المقالات التي لا فائدة منها إلا الحشو وتقديمها لسحب اللايكات!!

هذه حقيقة أي نعم نحن نعيش في تفاهات صوتوا لها بعدد كبير من اللايكات اليوم لك وغدا لي.. كنا نحلم بمضاعفة المتابعين والأصدقاء وكثرة تصوير مناسبات هي في الواقع تعتبر خصوصيات شخصية اختلطت المفاهيم بين ما يمكن نشره وما يمكن تجميده إلى وقت لاحق ينشر إلى تظليل اوقات الحزن و أظهرنا أننا في كامل سعادتنا ونحن ممزقين من داخلنا الى الاف الاجواء التي يصعب تحديد اولها من آخرها.

كنا أشخاص حقيقيين او كنا مزيفين في الصفحة التي لاتتعدى سنتمترات على طول اليد او الذراع! هل حقا إمتثلنا لقواعد الأسرة والجلوس مع الاهل و الأحباب والجيران كما كنا في القرن الماضي! كما كنا قبل هذا الوحش الازرق الذي سلبنا هدوءنا نفكر فيه نياما وقياما!

واقعنا يموت ببطئ بين أيدينا، نودع الاهل ونكتب التعازي ننتظر تهليلات تنزل على منشور التعزية من تعليقات التي تواسينا ونسينا أجسادا تركت من امور حياتها و اشغالها وهي تقف أمامنا وأمام المتوفي.. بالله عليكم من مات هو أم نحن على الوحش الازرق، الذي إلتهم ساعات حياتنا على مدار السنة ونحن نتفقده في كل لحظة أكثر ما نتفقد به أحبتنا!

اتحدث عن ميت من دمنا من جسدنا من أهلنا كيف ودعناه في أحسن مراسيم تعزية تليق بأحبتنا في صفحة افتراضية، والواقع يقول لم نمنحه جزءا من المئة بالتأمل، الميت أمامنا نسينا ان نتفقده لآخر لحظات من الوداع، شكله جسمه ابتسامته، هل حقا راح منا الشعور والاحساس الواقعي وبقي فقط الشعور و الاحساس الافتراضي، هل حققنا كل ما تمنيناه من أحلامنا في أيام الصغر أم اننا تهنا في خربشات هذه الصفحات التي سرقت بصرنا وحياتنا وواقعنا! متى يستفيق العالم من هذه الأكذوبة الماركية... حقيقة هو يعيش من عالمنا الافتراضي واقعة بكل حرية بعدما نزع حريتنا.

شكرا مارك لأنك اثبت لي انني كنت تافهة في تضييع ساعات طويلة من حياتي لأمنح أن تعيش في الثراء و افقرت نفسي فكريا قبل جيبي.. هذا ما يفعله غيري في أرجاء العالم كلنا مقيدون به ومسجونون في صفحة زرقاء ، متى نتحرر من الافتراضية ونعيش واقعنا بقناعة وسلام الفكر.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.
Abeer Hassan 

👏🏻👏🏻👏🏻