•  منذ 10 شهر
  •  2
  •  0

كاتب(ة) : المهدي بوتمزين

الجامعة المغربية من القرويين إلى الفوضويين .


لا زالت الأيام تأتينا بأخبار الأحوال الدالة على تَيه الأمة في مدار تموج فيه, كما يتتايس الماء في محيطه، حتى غدت الصفيحة تيهاء لا تيجانا للجبار للإهتداء بها، حتى تاح التميم في مشيته و تاه الحاذق في مسيرته وعمت العماية الإيالة و الإقتصاد و الدين و العلم ....

أما خبر أهل المغرب الأقصى في أمور العلم في زماننا هذا ، فيكاد يكون محلا للتوه و التلف و الكساد، لما بلغه من دنو المراتب لإنحطاط المكاسب و سوء المقاصد . ومن جملة ما عرف به المغرب في سالف الأزمنة أعسانه العلمية ومنها جامعة القرويين التي بنيت في مستهل الأمر جامعا لتجوس بعده في فضاء فريع رحب يصنع اليوم الفارق الجلي بين الشعوب في قطبية تنم عن قداسة العلم و المعرفة التي يتدثر و يتدين بها شعوب الشمال التي تبقى الموئل لكل نهضة في التاريخ الحديث .

شكلت جامعة القرويين ميعة دور العلم و باكورة الفكر في أبعاده و أفاقه الرحبة الممتدة في تقاطع علوم الدين بعلوم الدنيا، كما وسمها أهلها حينذاك عام 859 ميلادية، إنطلاقا من فكر أم البنين فاطمة الفهرية، ليستتم المغرب في عهد الأدارسة محكم أمره سياسية و دينا و عمرانا فأنارت الجامعة مشكاة العلوم و الدين، حتى غدا المغرب مقصدا للجمع البكباك و الحجيج الغفير .

ومن الأعلام و الأفاضل الذين تعلموا و جادوا بالقرويين، العلامة عبد الرحمان بن محمد بن خلدون مؤسس علم الإجتماع، وابن الخطيب و ابن باجة و الفرنسي سلفستر الثاني و الحسن بن محمد الوزاني المعروف بليون الإفريقي صاحب مؤلف '' وصف إفريقيا ''.فالمطلع على ما جاء في الأثر من أخبار العلماء الأطهار المتوشحين بزكاء المناقب و المحامد، يدرك حقيقة الظاهر و الباطن، مما بلغه المغرب من علو علم و رفعة شأو و حسن ذكر . فما كان العلم أن يجافي الاخلاق الفاضلة و الروح الطاهرة ليرافق البلخ و المجون، و إذا عزمت أمة الحشحشة كان لزاما تركها للمعاصي و سوء المغازي .

وأما الحال اليوم فإن الجامعة باتت على كلل سوء لما بلغته من انحطاط المنزلة الداعية للبهيتة الموجبة للبهم، والعلة في طائفة تجهل حقيقة المغبة إذا لم تضطلع بإسعاف التعليم الذي لم يتفرط وقته نسبيا . فالجامعة المغربية أضحت تتذيل التصنيفات العالمية، و العلة في البِرْواز المهيكل للجامعة الذي يعج بنقائص و عيوب يتطارش عنها النواب في مجلس الأمة و نخب الفكر و فضالة اللواص من المجتمع المدني دون تكبد عناء إثارتها و رفع القَتمَة عنها .

إن مسوغات النقص و موجبات الكبو و الخور تكمن في بعدين , أحدهما قانوني و الأخر أخلاقي .

تشهد الجامعة ممارسات غير قانونية، حيث أضحت المؤهلات و الدعامات للقبول بالمسالك العليا هي المال و النفوذ، مما ألحق ضررا بالغالبية العظمى من الطلبة ، أدى بدوره إلى نجاح الملاوص و تراجع السداد المُقتل، مما أقتر الجامعة الهفوات و الفطور . فمجرد معرفة شخصية بمنسق الشعبة أو أي أستاذ أخر كفيلة بضمان مقعد في أسلاك الماجستير و الدكتوراء.

وهذا أمر قد ظهر و تمغظ منذ سنيين خلت دون بروز أية مبادرة إصلاحية حقيقية، وهذا جزء بسيط من فلك الفساد الذي ترزخ تحت ثقله دول العالم الثالث، والذي لا يثير في حد ذاته أي إستغراب أو دهشة، بحكم ألفة و أنس شعوبنا مع صنوف الكساد و الفساد و الإذلال، حتى أضحى الفساد ديانة تقدس و شعائر تؤدى، فيبادر المواطن بتقديم رشوة طواعية إلى موظف في مرفق عام وكلاهما تغمره فرحة التعاون و التعاضد.

ويبقى إستشراف مستقبل البلدان المتخلفة أمرا صعبا لعدم معرفتنا بالمكاتب المجهولة و الكتائب المسلحة التي تتحكم فيها من أقطار أخرى، لكن يبقى السبيل الوحيد هو الثورة البناءة التي تضع استراتجية واضحة المعالم لما بعد الهدم، حتى تتخلص من رهط يصف نفسه بالنخبة و هو في حقيقية الأمر طابور خامس .

ويرخي الفساد ضلاله و يمدها إلى فئة ثانية تتعلق بالموظفين الراغبين بمتابعة دراستهم لمواكبة و تجديد و تنويع المعارف و المكاسب، حيث تنعدم المصداقية و تغيب النزاهة في قبول أو رفض طلبهم، في غياب نصوص قانوية اَمرة واضحة لا تترك أي فراغ للتأويل ، فالطبيعة لا تقبل الفراغ و مسؤولونا أكثر من الطبيعة، حيث أمكنهم احتلال نقطة فقط حتى يتمددوا لتوسيع قاعدة إستفادتهم و إستغلالهم لأي مكسب جديد .

ومن تجليات إلزامية ترصين البعد القانوني، وجود تنظيمات و جماعات متعددة المشارب و الإيديولوجيات، التي يتراوح دورها ما بين الدفاع عن مصالح الطلبة و التعليم و البلد أحيانا ، كالدور الذي اضطلع به الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين الذي تأسس سنة 1955، للدفاع عن استقلال الجزائر من الاحتلال الفرنسي، وكان له دور كبير في داخل الجزائر و في المحافل الدولية أيضا. كما وجه الإتحاد الوطني لطلبة فرنسا دعوة للتظاهر ضد قرار الحكومة المعلن في نوفمبر 2018 و القاضي برفع رسوم التسجيل في الجامعة بالنسبة للطلبة المقيمين خارج الفضاء الاقتصادي الاروبي، إلا أن الاتحاد الطلابي و منظمات أخرى تخشى أن يكون هذا الإجراء مقدمة ليشمل باقي الطلبة .

وفي مبادرة أخرى من اتحاد طلبة إسبانيا دعوا فيها باقي المنظمات الطلابية في العالم للوقوف ضد الحرب الإمبريالية ضد العراق . و هي أدوار بطولية مشرفة تنم عن حس إنساني و تنوير ثقافي تبقى معه الملاز الوحيد للقواعد الطلابية و الجماهير الشعبية للدفاع عن مصالحها و انتزاع حقوقها .

وفي جانب أخر، وُجدت تنظيمات تتدثر و تسلك منهجا دينيا أو إيديولوجيا يلتزم بالقواعد و المراجع، لكنه في باطن الأمر صنيعة أجهزة الدولة للإجهاز و الضغط و الكبس على باقي الفصائل التي تتبنى مواقف معارضة، مما يؤدي إلى تحوير دور هذه الأخيرة من تأطير الجماهير الطلابية و الذوذ عن مصالحها إلى الانشغال بالإقتتال بين الفصائل مما يدخلها في استنزاف للوقت و الجهد و الأجندات و العمل. كما تمثل هذه التنظيمات نزلا للطلبة لتحديد توجهاتهم و مواقفهم و تسهيل جمع المعلومات عنهم، كما أن لها أدوار أخرى لا تقل أهمية عما تم تسطيره أعلاه . وفي واقع الحال أيضا مارست بعض التنظيمات أعمالا غير قانونية و غير أخلاقية ضاربة العمق التاريخي و الإطار الفكري العلمي الذي قام عليه وجود الجامعة في العالم .

وإزاء هذا الأمر كان من الواجب إعادة النظر في النظريات و الفلسفة التي أوجدت هذه الفصائل داخل الحرم الجامعي، حيث نرى أنه من الصواب أن تبقى الجامعة خارج أي صراع ديني أو سياسي أو نقابي أو فكري سواء في عمادة الجامعة أو في القواعد الطلابية . و تبقى الحاجة ملحة إلى إيجاد صيغة توافقية للعمل المشترك بين مختلف مكونات الحرم الجامعي كتأسيس برلمان طلابي لتخليق الموفق و تهذيب النفس وتحقيق شروط المواطنة و المدنية.

أما البعد الأخلاقي فتظهر أثار فقدانه في صور مشينة ماجنة، من خلال إنتشار تعاطي و تجارة المخدرات و أيضا العلاقات الجنسية لتمتد إلى جعلها تجارة داخل الجامعة، حيث يلعب بعض الطلبة دور الواسطة بين الزبناء -الذين يمكن أن يكونوا من الطلبة- و بين طلاب الجامعة. وما زاد الطين بلَّة، كشْف الستار عن علاقات بين أساتذة جامعيين والطالبات، بغية الحصول على نقاط جيدة أو قبولهم في أسلاك التعليم العالي، حيث عرفت جامعة السلطان مولاي سليمان مؤخرا فضيحة فحواها أن أستاذا مارس الجنس مع أزيد من 600 طالبة، و هذا إنجاز أوصي بإدراجه في موسوعة غينيس .

إن مجمل الأمر يعطي إنطباعا سيئا عن أوج أشكال الرداءة و الرذيلة و التهتك الذي بلغه مستوى التعليم الجامعي، وجب على الدولة أن تعي حجم مغبته، بالتعريض أو التصريح ، فهذه جرائم تمس حرمة و قداسة و شرف الجامعة، و إن كل عوامل انهيار صرحها قد تقافصت و ننتظر لحظة سقوط اَخر قلاع التحصين في البلد و هذا ما لا نتمناه، و السلام على من اتبع الهدى.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.