•  منذ 1 سنة
  •  0
  •  0

نَزْفُ اَلْحَرْف .. إِلَى أَيْنْ؟!

الكتابة تهذيب و تأديب، الحرف يهذّب دواخلك، يكشف حقيقتك، حقيقة نفسك، و قيمك و مبادئك، أفكارك و انشغالاتك، أخلاقك و تصرفاتك، لذا فأنت بحاجة إلى أن تكتب دائما، و كثيرا، بحاجة إلى أن تكتب كل شاردة و واردة يستصيغها لك ذهنك، لأنك حينها تضع مستواك في الميزان، تكشف ضعفك، و قوتك، من أين تُؤتى، و أين تُرابط، ثغرات الروح كثيرة، لا تكشفها لك سوى خلوة تدوِّن فيها بصدقٍ ما يُحاك داخلك، هذِبّ نفسك بحرفك، أدّبها بما تكتبه لها أولا، ثم لغيرك، اِلزم نفسك بكتاباتك حرفًا حرفا، إنّه لَمن المُخجل أن تُدوّن المقالات، و تكتب النصوص لِتُخرجها للناس في ثوب التقيِّ الناصِح، ثم إذا ما خلوتَ بنفسك تنشغل بغدراتك، و تنسى ما كتبت، الحرف مسؤوليتك، كل ما كتبت إن خالفتَه أسقطك، شهِد ضدك.

احتفظ بِقدرٍ من الحرف لك وحدك، ليس من الضروريّ أن يطَّلع الناس على كل ما خطّت يمينك، أنت لست بحاجة لِمن يُقيِّمك، و يكشف لك مستواك، أنت لست بحاجة إلى الشهرة، من غير المعقول أن تُطلع الناس على كل مشاعرك المدوَّنة،؟ إذا سيكونُ ذاك الحرف يومًا ضدك.

أحسَن قولا الشهيد أحمد الشقير تقبله الله يومَ قال:

" اكتُب كثيرا، اكتب مشاعرك، اكتب خواطرك، اكتب كل شيء، يومًا ما سيكون هذا كنزك! و لا تكن كالأبله ينشر كلّ شيءٍ يكتبه، ثم يتهافت كلّ دقيقة ليُسجّل تصاعُد المعجبين و التعليقات.. هذا سخف، أنتَ أفقدتَ الكتابة هيبتها، أنت لا تعلم لماذا تكتب و لماذا تُسجِّل!! مشاعرك لا تُخرجها دفعة واحدة، خواطرك لا تنشرها كلها، إنّك تكتب لنفسك أولا، قبل أي أحد عندما تكتب لنفسك أولا، تكتب الصدق، تكتب الحقيقة، تكتب عنك لك، لا عنك لغيرك.. نكتب لنُعلم أنفسنا كيف كنا و كيف نكون ثم كيف سنكون، نكتب لِنراقب التطور و التدهور.. نكتب لنكشف بعد شهور و سنين ذواتنا الحقيقية التي طمستنا عن حقيقتها الأوهام!! "

و من ناحيةٍ أخرى: جميلٌ جدا أن تُدوّن الأفكار، و تُسجِّل الملاحظات، و تكتب الآراء، لكن كيف و لما تكتب؟!

في زماننا الجميع أضحى كاتبا، كثُرت مشاريع الكتابة بشدّة.. الكل يكتب! الكل يكتب في السياسة، في الاقتصاد، في الدين، في التاريخ، في كل الميادين، حتى أصبح الكُتَّاب أكبر عددا من القُرَّاء، لكن لم نرَ بعدُ وعيًا ثابتًا قويًّا يمكن أن يُعتمد عليه! ذاك لأنَّ الكتابة فقدت الهدف، فلم تُؤتِ أُكلَها. الحرف الذي يُطلَق في سماء الشهرة، باحثا عن المادية و الأضواء و التمجيد حتما تهوي به الريح في مكانٍ سحيق.

فما فائدة الحرف إذا لم يترك وقعَه في نفوس القراء و يُهذِّبها و يزيد من وعيها ، و يُؤدِّي بها إلى النهضة؟! ما فائدة الحرف إذا لم يُعرّف هذه الأجيال بأمجاد الأمة و يبعثها في حلَّة جديدة تزيد في نفوس الشباب ثقة و صلابة؟! ما فائدة الحرف إذا لم يكن سهمًا في كِنانة المرابط على ثغور هذه الأمة؟! ما فائدة الحرف إذا لم يُساهم في إخراج هذه الأمة من ظلمات الانحطاط و الضعف و الإدبار إلى نور الرِّفعة و السمو و العلوّ و التقدم؟!

ما فائدة الحرف إذا لم يُهذِّب النفوس، و يُقوِّم السلوك، و يُصحِّح المسار، و يُوجِّه البوصلة؟! ما فائدة الحرف إذا لم يكن مدلولا عن الإنسانية و لها؟! ما فائدته إذا لم يُعِد للغة العربية مكانتها؟! فيخرُج في أسلوبٍ فخمٍ راقٍ يليق بلغة الضَّاد، مما يُعيد اِلتفاف الفِكر الإسلامي حول لغته الأمّ و ينهض بها من جديد، بعدما أدّت حروب الإبادة بالعرب إلى الخجل من لغتهم.

ذكرت المستشرقة الألمانية (زيجريد هونكه) في كتاب (شمس العرب) "كَانَ شبابنا فِي أوروبا يتشبَّهون بلباس العربِ في الأندلس، ويتَفاخرون بنطقِ العربيَّة فيما بينهُم"

فمن يُعيد للغة الضاد مجدها إذا كان الحرف مجرّد حرفٍ لأجل الكتابة و فقط؟! ما فائدة الحرف إذا لم يُساهم في تشجيع و تحفيز روح الشباب و رفع الهمَّة؟!


إذا أُطلق الحرف بدون هدفٍ محدد و لا غاية واضحة ، مفتقرا إلى النيَّة الخالصة ، فهو نزفٌ في جسد هذه الأمة، و عِلَّة في كيانها. فالحرف الذي لا يرفعها يُسقطها، و الذي لا يؤدي بها إلى الارتفاع، سيؤدي بها إلى الهبوط.


لا يمكنك أن تكتب و فقط، لا يمكنك أن تكتب لأجل الشهرة، أو المادية، أو جمع أكبر عدد من الثناء و المدح فقط، يجب أن يكون لكلّ حرفٍ يُؤتى منك وقعُه، لا تستعجل إخراجه لنا، هذِّبه بالقراءة، أدّبه بالقِيم، جمِّله بأفكار العارفين، انحتهُ بالممارسة و التطبيق .ثم فلْيبارك الرحمان مداد قلمك.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.