•  منذ 1 سنة
  •  3
  •  0

كاتب(ة) : بشرى حميد عبد

سأعود بعد كثير - رسالة من ردهة الأمراض السرطانية

حين تصلكَ رسالتي سأكون في طريقي إلى صالة العمليات، فقد حان استئصال ذاك المرض اللعين من أيسر صدري.

حسناً.. أعرف أن الموضوع غير مثير لاهتمامك، أعرف جيداً أن وجودي مثل غيابي، كلاهما لا يؤثران عليك.

فإذا ما انتصر عليه مشرط الجراح وقررت غيبوبة البنج ألا تُعيدني إلى الحياة، سوف تكون قد تخلصت مني ومن ازعاجي لك، وجواسيسي الذين كانوا يراقبونك ذهابًا وإياباً؛ ليكشفوا لي كل ما كنت تحاول أن تُخفيه عني، لن تجد من يلح عليك بالسؤال؛ خوفاً واطمئناناً وحباً، رغم أنك كنت تحسبه شك وتدخل وتطفل مني وبلا استئذان.

سيكون خبر مفرح لك عندما يختارني مرض السرطان لأجلس على سرير الانتظار، أراقب قوافل الراحين إلى الرفيق الأعلى، محملين بكمية من الأدوية والأشعة والجراح، منهكين من طول الانتظار، أراقبهم وأنتظر أن أغمض عيني للمرة الأخيرة، فلا أرى النور بعدها، حتى حين

تذكرت، دعني أخبرك سراً، لم يكن عندي جواسيس يراقبونك، الجاسوس هو عقلي الذي كان يرسم لي خطواتك القادمة، ويصور لي كل فعل منك، وكيف ستكون ردة فعلك عليه ،لذا كنتُ أبدو وكأنني أراقبك، وأعرف كل شيء عنك، وهو قلبي الذي كان يشعر بك أكثر منك وأكثر مما يشعر بي، حتى عندما تسلل إلى جسدي المرض، لم يشعر بأي وجع حتى احتل المرض صدري، ولم يعد أمامي سوى الاستسلام للمسكنات، وبعض أدوية إطالة العمر لعدة أيام.. إنها عدة أيام لا أكثر.

أما إذا اجتمعت قواي وانتصرت على جرعة البنج ومشرط الجراح، أتخيلك عندما تقرأ هذه العبارة، سوف تجحظ عيناك، وتخلع نظارتك، سوف تصاب بالدهشة والقلق من أن أعود،

لا تخف.. حتى عندما أنتصر على المرض، سوف أكون أسيرة جرعات العلاج الكيميائي، وسرير الرقود في مشفى الأورام السرطانية، سوف تُسلب مني أيامي وقوتي وقدرتي شيئًا فشيئًا، حتى أبدوا لستُ أنا.

لن يعد بوسعي الحديث معك، ولا البحث عنك، لن تصلك رسائلي، لن أبعث لك بالأغاني والأشعار، رقمي سيكون مغلقًا حتى اشعار آخر، وبريد رسائلك سيكون خالٍ من رسائلي،

فالعيش مع المرض هو موت من نوع آخر، وحياة لا تشبه الحياة، هو بقاء بين الموت والحياة مقيدة بشهيق وزفير وجفنٌ لا يعلم متى يغمض للمرة الأخيرة.

يمكنك القول أنك تخلصت مني، وأن محاولاتي فشلت بأن أكسب حبك وقلبك، أُقدر انزعاجك مني، فالحب لا يأتي بالمحاولة والإصرار، هو شيء لا يُعطى، بل يُوهب هكذا فجأة دون مبررات، دون وعي، منذ المحاولة الاولى.. هكذا أنا أحببتك.

لكن القدر لم يشاء أن تحبني، أو ربما المرض اختارني قبلك، لم يكن متردد مثلك، أحبني منذ التحليل الأول وتعلق بي.

لا تشعر بالاسى نحوي.. أنا بخير، راضية بهدية الله لي، ألم يقل السياب "أن الجراح هدايا الحبيب؟ "

لا تظن أنني قد أعود لإزعاجك بحبي لك، أنا لن أعود كما كنت.. إن عدتُ.. سأعود بعد كثير.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.