•  منذ 1 سنة
  •  3
  •  0

كاتب(ة) : يوسف المستوري

كريسماس دون هدايا

قبل عشرين عاما ..

كنت فتى صغيرا حينها , تعجبني المفرقعات , و تثيرني أغاني الكريسماس .

لم أكن أعلم ما معنى كل ذلك , لكنني كنت أستمتع حقا .

حسنا , لقد كانت الحلوى التي تعدها أمي أفضل من كل ذلك .

لم نرى مفرقعات سوى في التلفاز ,

و لم نرى بابا نويل أيضا ,

ربما مازال الأطفال ينتظرونه عله يأتي حاملا الهدايا و الحلويات .

أشاهد تلك العروض المميزة التي تقام في جميع أنحاء العالم ..

كان الأمر مدهشا ..

ظننت حينها أن العالم ملىء بالسرور..

مواطننا تعيش رفاهية مطلقة و لا نشكو من شيء ..

كنت حينها صغيرا , بعقل طفل لا غير..

لم أكن أدري ما يحدث حقا ..

مرت السنوات بسرعة ..

ما زالت العروض تقام , بل و أصبحت متميزة ..

كل دولة تحاول التفوق على الأخرى في عروض رأس السنة .

لكنني لم أعد أنتظر سانتا و لا بابا نويل ..

لأنني أعلم أنه لن يأتي , و أن الامر مجرد خرافات لا غير .

في كل عام يحل علينا شهر ديسمبر و يناير ببرودتهما المتعادة و صقيعهما القاتل.

أرى مواقع التواصل الاجتماعي كادت تنفجر من منشورات المنع و التحريم .

" نحن مسلمين لا نحتفل بعيد الكفار "

" الإسلام حرم الإحتفال بعيد الكريسماس "

منذ سنوات و نفس المنشورات يعاد نشرها و يكرر قولها .

لكن ما الذي حدث , مازال مسلمينا يتفوقون على النصارى في الإحتفالات ..

حتى صرنا لا نعلم أي عيد نعيشه ..

عيد المسلمين أم الكفار ؟!!

للإشارة هذا المقال ليس لأدعوك للإحتفال أو للإمتناع عنه , فلك عقل تميز به .

حسنا فلندع هذا جانبا ..

فالأمر أعظم من كون الكريسماس محرما من عدمه ..

رغم أننا جميعا نعلم أن هذا العيد لا قيمة له البتة ..

و هل الكريسماس هو الشيء الوحيد الذي نقضناه !

لقد نقضنا العهد منذ زمن , لكن فلنذكر فالذكرى تنفع المؤمنين .

بعيدا عن أجواء الإحتفالات و السرور المزيف ,

رأيت أطفالا يقتلون في سوريا ..

و آخرين في غزة ..

و شيوخا من الإيغور تقتلهم الصين بلا رحمة و لا شفقة ..

رأيت أطفالا في شوارع المسلمين ; أطفالا بلا مأوى ,

دون أب يسندون عليه أوجاعهم ولا أم تحتضن آلامهم ..

أطفالا صغار ..

ما ذنبهم وسط كل هذه المستنقعات ..

طفل في السابعة من عمره , حافي القدمين , أجعد الرأس .

طفلة في مقتبل العمر , تتسول في أرجاء الشوارع ,

أحيانا تبيع حلويات و أحيانا اٌقلاما.

شيخ في الستين من عمره , مستلق على جانب الرصيف .

هل علمت حلمهم يوما ؟

ليس مفرقعات نهاية السنة فالأيام عندهم سواء ..

ربما لباس يقيه شر الصقيع ..

ربما محفظة أدوات و مدرسة ..

ربما حضن , ربما ابتسامة .

ربما أن يزروهم بابا نول المزعوم بهداياه ,

ربما يحمل لهم الأمان , و هو الأمر الذي لن يحدث أبدا .

ربما تتساءل الآن , لماذا أخبرك بكل هذا ..

و ما الذي تستطيع القيام به .

حسنا , دعني أحكي لك حكاية ;

يحكى أن رجلا مغفلا خرج من منزله صباحا ,

حاملا إبنه على عاتقه .

بعد فترة , نسي المغفل ابنه ثم بدأ يسأل المارة :

" أرأيت صبيا عليه قميص أحمر "

أجابه أحدهم : " لعله الصبي الذي تحمله على كتفيك " .

رفع رأسه ثم نظر للصبي قائلا : " ألم أقل لك ألا تفارقني أبدا " .

----

هكذا نحن .. مازلنا تائهين نبحث عن عقولنا ;

نبحث عن السعادة ,

نبحث عن العظمة ,

و نحن نحملها على عاتقنا,

نحمل إسم المسلمين فقط,

و نسينا عظمة الإسلام ,

نحمل لقب الإسلام ,

و نسينا كل شيئ عنه .

نسينا كيف نميز الأبيض و الأسود ,

دون الإستعانة بأحد.

بل و صرنا نبحث عن أنفسنا في ثقافة الآخرين.

قرأت يوما قصيدة لنزار قباني , علمت فيما بعد أنه قد تم منع نشرها في بعض الدول العربية.

طبعا و نحن نتشبه بالنصارى في كل شيء سوى بعض ما نكره .

يقول نزار في قصيدته ..

"" خلاصةُ القضيّهْ
توجزُ في عبارهْ
لقد لبسنا قشرةَ الحضارهْ
والروحُ جاهليّهْ... ""

--

تماما هو كذلك ;

لقد لبسنا قشرة الحضارة فقط ,

لكن أرواحنا جاهلية ,

عقولنا جاهلية ,

قلوبنا قاسية ,

أخدنا من الحضارة قشرتها دون لبها ,

نأخد من ثقافتهم ما يريدون و نحب,

--

لكننا ما زلنا ننقسم لفريقين منذ زمن ;

فريق يريد الإحتفال و آحر يحرمه .

ما زلنا غارقين في دوامة المناقشات ;

مناقشات مكررة ..

ألم يحن الوقت بعد لننظر السبب الرئيسي ,

أصل المسألة ما هو ?!

الأصل في فكرنا ..

فأرواحنا تشكو الإفلاس ..

و كما يقول نزار مجددا :

"" يا أصدقائي:
جرّبوا أن تكسروا الأبوابْ
أن تغسلوا أفكاركم، وتغسلوا الأثوابْ
يا أصدقائي:
جرّبوا أن تقرؤوا كتابْ..

""

فلنناقش كيف نعيد المجد لنا ..

كيف نصقل مواهبنا الشابة ..

كيف نزرع بذور الأمل و الإبداع في جيل قادم ..

كيف ننبت الورد على حافة مستنقعاتنا ..

كيف نصبح إنسانا .

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.