•  منذ 2 سنة
  •  2
  •  0

رواية "الجرعة الأخيرة" للكاتبة: سعدية بلكارح

بقلم:عزيز العرباوي: كاتب وناقد من المغرب

تحكي رواية "الجرعة الأخيرة" للروائية والكاتبة المغربية سعدية بلكارح الصادرة عن جامعة المبدعين المغاربة في 2018، مصائر شخصيات متعددة تتفاعل على مستوى الحياة الأسرية والاجتماعية، فتحدث رجة على مستوى التفكير والسلوك والموقف. كما أنها تحكي عن النظرة العميقة للحياة والمجتمع والأسرة التي تعبر عنها المؤلفة نفسها من خلال السارد في النص، هذه النظرة التي تنتقل بين التعبير عن الأحاسيس والمشاعر الدفينة لكل شخصية من شخصيات الرواية وعن المواقف الخاصة لدى المؤلفة نفسها. هي نظرة رومانسية بطريقة أو بأخرى، تبحث عن الجمال وعن الأفضل لتحقيقه بأسلوب جميل وبسيط، يتحقق به المعنى ويصل إلى المتلقي بكل وضوح وسلاسة.

تتراوح مواضيع الرواية بين الغيرة والحسد والكره، وبين الحب والصداقة والمودة وإثبات الذات، لأنها مشاعر تجعل الأمر دائماً غامضاً ،يحتاج من القارئ أن يجتهد في التأويل للوصول إلى المعنى المراد. وهذا ما يجعل من الرواية نصاً أدبياً جيد الصياغة لغوياً وأسلوبياً وموضوعياً.

ولقد استطاعت سعدية بلكارح أن تحقق الغاية من النص، فرحلت بقارئ روايتها إلى مجاهل وعوالم الحياة الأسرية والاجتماعية المفعمة بالمواقف والسلوكات المتعددة، ذات الصبغة الإنسانية المتلونة بتلون الأفعال والمشاعر والأفكار.

وبالتالي يمكننا القول إن الرواية تعالج تحولاً ثقافياً وسلوكياً على المستوى الاجتماعي والشخصي لدى شخصياتها المختلفة الأعمار والأجناس بواسطة لغة بسيطة مفهومة ،تنهل من الرصيد الثقافي والمعجمي لدى الكاتبة، ومن قراءاتها المتعددة للأدب عموماً ،ومن اهتماماتها في مجالات أخرى كالصحافة والفكر.

وتعالج الرواية في أغلب أجزائها المتعددة والمحددة من خلال عناوين فرعية أيضاً الشعور المتضخم بالمعاناة والحزن ومحاسبة الضمير والشعور بالذنب تجاه الآخر، سواء لما يعانيه في صمت أم لما يشعر به تجاهه من إحساس بالمودة ومشاركته الشعور ذاته. فالحيرة سيدة الموقف في بعض الأحيان، كما الإثارة، ثم العجز والتفاهة والورطة والمفاجأة... وغيرها، كلها أمور تدفع المرء إلى التفكير كثيراً قبل الإقدام على أي فعل أو سلوك.

إن العلاقات الاجتماعية المتعلقة بشخصيات الرواية تبقى علاقات مختلفة ومحددة في إطار مختلف عن العلاقات الأخرى التي يمكننا أن نلاحظها في الواقع. فالروائية سعيدة بلكارح تبحث من خلال كل هذه العلاقات المتعددة أن تبني رؤيتها للمجتمع والواقع المعاش.

لقد أسست الروائية سعدية بلكارح في روايتها نظرة أساسية للمجتمع المغربي، ومدى فعالية النظرة الخاصة لشخصياته وأفراده الفاعلين.

تستحضر الكاتبة قول ادوارد تايلور في مدخل الرواية الذي يقول فيه: "الثقافة هي ذلك الكل المركب الذي يشتمل على المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعادات وغيرها من القدرات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع".

في حين يقول لينتهي أيضا: "الشخصية هي المجموعة المتكاملة من صفات الفرد العقلية والنفسية، أي المجموع الإجمالي لقدرات الفرد العقلية، إحساساته ومعتقداته وعاداته واستجاباته العاطفية المشروطة".

وكأنني هنا بالكاتبة وهي تستحضر هاتين المقولتين، تبحث عما يؤكد لها أن أي شخصية في حاجة إلى ثقافة متنوعة ومتقدمة ؛لكي تؤسس لوجودها الإيجابي في مجتمعها.

إننا هنا بصدد رؤية فنية وأدبية للواقع المجتمعي المتعدد المشارب والعلاقات الاجتماعية التي تؤسس لفكر وثقافة خاصة. وإن كنا كقراء متخصصين نرى أن الكتابة الروائية ،تحتاج في العديد من النصوص الروائية إلى رؤية فكرية، تستمد قوتها وأهمية مواضيعها وقضاياها من المعيش اليومي، أو على الأقل من التجارب الإنسانية والشخصية للكاتب أو لأفراد يعيشون معه في المحيط الاجتماعي.

الرواية تعالج العديد من التحولات الاجتماعية والشخصية على مستويات عديدة من التفكير والتعبير ،وخلق علاقات اجتماعية مختلفة الرؤى والتلقي والتفاعل المجتمعي.

ربما تعتبر رؤيتنا النقدية للرواية رؤية محددة بقراءة مختلفة عن قراءات الآخرين، لأننا نرى أن أية رواية ينبغي عليها أن تنطلق من فكرة معينة تجد حضورها القوي في المجتمع وفي قضاياه العامة، دون أن ننسى أن الرواية هي نص فني أدبي يهدف إلى التعبير عن ما هو شخصي واجتماعي بالدرجة الأولى، ولا يستبعد الحضور الشخصي القوي وتحولات الشخصية المبدعة والشخصية الفاعلة في النص أيضاً.

فالرواية التي بين أيدينا تعبر عن هذه الرؤية تعبيراً قوياً، نظراً لأن الكاتبة مدركة لأهمية التحول المجتمعي والشخصي في مجتمعها المغربي ،وعياً يعطيها إمكانية في التعبير عن كل ما يقع فيه، وما يحدث من أحداث وتحولات سياسية واجتماعية.

يذكر أن الكاتبة سعدية بلكارح إضافة إلى كونها روائية فهي شاعرة وقاصة وباحثة في مجال الثقافة وفاعلة جمعوية.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.