•  منذ 1 سنة
  •  1
  •  0

مظاهر الغلو وتداعياته في حياة المسلمين

الغلو من المعاصي التي لا يجب التهاون بها، وإن بدت في بعض صورها من المحقرات في أعين العامة، فإنها تجر على الأمة الأوزار والآثام والموبقات والمهلكات، التي لا تنتهي بانتهاء من تساهل فيها أو أعان عليها أو أفتى بها، أو أنفق عليها ماله أو جهده أو وقته، وهو من المظاهر الخطيرة في حياة المسلمين اليوم، وله تداعياته وآثاره التي تحتاج إلى الدراسة والتحليل، فما الغلو وما أسبابه وما صوره وما آثاره؟

تحاول هذه الورقة البحثية الإجابة عن هاته الأسئلة من خلال المباحث التالية:

المبحث الأول: تعريف الغلو وأسبابه

المطلب الأول: تعريف الغلو

لقد اجتهد العلماء في وضع تعريف للغلو فقالوا هو مجاوزة الحد وتعديه و(غلا في الأمر يغلوا غلوا، أي جاوز فيه الحد)، وقالوا هو الزيادة في الشيء في حمده، أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك''.[1]

ومعنى هذا التعريف أن يتجاوز الفرد الحد المعلوم في أمر من الأمور فيزيد فيه أو ينقص منه.

المطلب الثاني: أسباب الغلو

مما لا شك أن لكل مشكلة سببا ساعدت على إيجادها وتعقيدها، ومعرفة الأسباب لا بد منها لمن أراد العلاج، وأسباب هذه المشكلة تختلف من بلد لأخر ومن جماعة لأخرى، ومن وقت إلى آخر، لكن هناك أمورا يمكن أن تكون أسبابا مشتركة بين الكثير من هؤلاء الأفراد وهذه الجماعات في كثير من الأزمان والأوطان، فمن هذه الأسباب:

1- الجهل بكتاب الله عز وجل، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأحكام الغلو وقواعده، وكلام السلف في ذلك، وكذا الجهل بمقاصد الشريعة، سواء كان ذلك جهلا مطبقا -عند بعضهم- أو جزئيا راجعا إلى تأويل واجتهاد لمن لم تكمل أهليته، وإلا فلو كملت أهلية الاجتهاد عنده؛ لما أقدم على عمل يحوي المفاسد، ويجر هذه الويلات على الدول المسلمة حكاما وشعوبا، وعلى الدعوة والقائمين عليها.

2- ومن أسباب الغلو: عدم لزوم منهج السلف أمام فتنة الحكم بغير ما أنزل الله في كثير من بلاد المسلمين، وكذا عدم لزوم منهج السلف في تغيير المنكرات الظاهرة، والتحديات الفاجرة، والأساليب الماكرة.

ولا شك أن فتنة الحكم بغير ما أنزل الله عمت فأعمت، وطمت فأصمت، وكانت من جملة أسباب فتنة التكفير، فلا يجوز التحاكم في التحليل والتحريم، والإباحة والحظر، وغير ذلك في الدماء، والأموال، والأعراض، والمسائل العامة والخاصة إلا إلى شريعة الله سبحانه وتعالى.

3- الجهل بالسنن الكونية في التمكين في الأرض، وأن ذلك لا يكون إلى بالصبر والتحمل لأذى الكفار، فكيف لا نصبر على أذى المسلمين.[2]

وخلاصة القول في أسبابه إنها عامة في كل زمان ومكان منها:

1 قلة الفقه في الدين أي ضعف العلم الشرعي أو أخذ العلم على غير نهج سليم أو تلقيه عن غير أهلية ولا جدارة.

2 ظهور نزعات الأهواء والعصبيات والتحزبات غير الشرعية.

3 الابتعاد عن العلماء وجفوتهم، وترك التلقي عنهم والاقتداء بهم والتلقي عن دعاة السوء والفتنة والالتفاف حولهم.

4 التعالم والغرور والتعالي على العلماء وعلى الناس، واحتقار الآخرين وآرائهم.

5 حداثة السن وقلة التجارب، والغيرة المتزنة، وبعبارة أخرى؛ عواطف بلا علم ولا حكمة.

6 شيوع المنكرات والفساد والظلم في المجتمعات، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو التقصير فيه، كما في كثير من البلاد الإسلامية.

7 النقمة على الواقع وأهله، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية في كثير من بلاد المسلمين.

8 مكر أعداء الإسلام واستفزازهم للغيورين، وللشباب وللدعاة، وكيدهم للدين وأهله، وطعنهم في السلف الصالح.

9 قلة الصبر وضعف الحكمة في الدعوة لدى كثير من الغيورين ولاسيما السباب المتدين.[3]

المبحث الثاني: صور الغلو وتأثيره على الفكر الإنساني

المطلب الأول: صور الغلو

يكون الغلو تارة بمجاوزة الحد في الإفراط والإشطاط، وتارة بمجاوزة الحد في الترك والتفريط، وذلك كما في قوله تعالى: ''يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم''.

ومعنى لا تغلوا في دينكم لا تجاوزوا الحد في إتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه، فترفعوه عن منزلة النبوة إلى مقام الألوهية، كما فعلوا بالمسيح، حتى جعلوه إلها من دون الله.

فقد غلا النصارى في عيسى عليه السلام غلو إفراط، ورفعوه على المنزلة التي أعطاه الله تعالى إياها، حتى جعلوه ربا، وغلوا في أتباعه الذين زعموا أنهم على دينه، فادعوا فيهم العصمة، والتزموا بكل ما جاءوهم به من حق وباطل.

وغلا اليهود فيه غلو تفريط، وقالوا إنه لغير رشدة، ورموا أمه بما برأها الله تعالى منه؛ ففي فعل كل من اليهود والنصارى غلو بقولهم على الله غير الحق فالإفراط والتفريط كلاهما غلو وكلاهما مذموم وسمي التفريط غلوا لما فيه من مجاوزة الحد في التقصير.

والغلو تعد وقد عبر القرآن أحيانا عنه بالطغيان، لما فيه من مجاوزة الحد في الظلم والعصيان والطغيان هنا إنما هو غلو بالترك والعصيان لأمر الله تعالى؛ بإيثار الدنيا وعدم المبالاة بالتكاليف، وبالتنطع في آداء العبادة بالزيادة والتعمق فيها.

ويكون الغلو بعدم الاعتدال بأقوال المخالفين في المسائل الاجتهادية، خلافا معتدا به، وبالتحدث عنهم حديث المستخف، الذي لا يرى صوابا إلا للقول الذي اختاره، أو للمدرسة التي أخذ منها، وجميع من خالفهم مبتدعة عصاة، أو كفرة، ليسوا من أهل الإيمان، مهما كان قدمهم راسخا في الدين، بحجة أن الرجال يعرفون بالحق، والحق في رأيه لا يكون إلا للقول الذي اختاره.

ويكون الغلو بالتورع مما لا ورع فيه، كمن يفضل الطعام الجلف واللباس الخشن الذي يزري بصاحبه، مع وجود ما هو أصلح له؛ فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر، واحتقار لباس الزينة الذي أمر الله به.

ومنه التشدد في السنن والمندوبات مع التفريط في الواجبات، وعدم المبالاة بارتكاب المحرمات.

ومن الغلو مجاوزة الحد في المدح، أو الذم، ومجانبة الإنصاف، بالتعصب إلى فكرة أو شيخ، ومجاوزة الحد في ذم غيره، ووصفه بما ليس فيه.

الغلو يكون بالفعل وبالترك

والغلو يكون بالفعل، ويكون بالترك، فمن تجاوز الحد في فعل فهو غال، سواء كان الفعل من عمل الجوارح، كالزيادة في العبادة المشروعة، أو التعبد بما لم يشرعه الله أصلا، أو كان الفعل من عمل القلوب والعقائد، وهو أخطر أنواع الغلو، كالغلو في الأنبياء والأولياء بالإطراء، وإنزالهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إياها، وكالغلو باعتقاد تكفير المجتمع المسلم، والتبرؤ منه لعصيانه.

ويكون الغلو بالترك أيضا، سواء كان الترك من عمل الجوارح، كمن يتقرب إلى الله تعالى بترك ما شرعه من العبادات، وأباحه من الطيبات؛ تزهدا فاسدا ومنه ما فعل النفر الذين استقلوا عباداتهم عندما سألوا عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم،وزهدوا في عدم تزوج النساء، فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كونهم رغبوا عن سنته، ومن رغب عن سنته صلى الله عليه وسلم ليس منه.

ويكون الغلو بالترك أيضا في الاعتقاد وعمل القلوب، وهو يكثر في غلو الملحدين والعقلانيين والعلمانيين، الذين يستخفون بمعتقدات أهل الإيمان، وينكرون ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام.[4]

المطلب الثاني: تأثير الغلو على الفكر الإنساني

الغلو غالبا ما يكون في دائرة الفكر، ويؤدي ذلك إلى وجود الانحراف في الأفكار وتحويلها إلى أفكار شيطانية شريرة لها تأثير عنيف ومدمر على أمن المجتمع وسلامته والفكر المنحرف أشد أنواع الانحرافات وأكثرها خطورة للنيل من أمن المجتمع بسبب آثاره السلبية على جوانب الأمن الوطني المختلفة كالأمن الاجتماعي والأمن الفكري والأمن السياسي والأمن الاقتصادي.

والانحراف الفكري هو انحراف الأفكار أو المفاهيم أو المدركات عن ما هو متفق عليه من معايير وقيم ومعتقدات سائدة في المجتمع وبصيغة أخرى هو الفكر الذي لا يلتزم بالقواعد الدينية والتقاليد والأعراف الملزمة لأفراد المجتمع، ومن مظاهر هذا الانحراف ما يلي:

- تعطيل البحث العلمي وانحرافه عن غاياته ومساره الصحيح، وينعكس هذا التنافر والانحراف على المجتمع فينتهي أمره إلى التفكك والانهيار.

- إخراج أفراد يتصفون بالسلبية والانفلات وانعدام موجهات السلوك والتواكل والجبرية، مما يوقع هذه الفئات بشباك المادية الاستهلاكية الفقيرة إلى موجهات السلوك السليم.

- وجود طائفة من الأفراد يشيع في حياتهم التمرد على القيم الإسلامية واشتعال الصراع الاجتماعي، وهذا ما ضرب المجتمعات الإسلامية في العصور المتأخرة وأدى إلى الفتن وأسباب الانقسام.

- اتصاف السلوك الناتج عن هذا الانحراف الفكري بالنفعية الدنيوية، مما يعطل رسالة الدين في الإصلاح الاجتماعي ويكبله عن محاربة الشر.

- الفصل بين القول والعمل وهذا موجب لمقت الله وغضبه.

- القدرة على التضليل والخداع.

- تشويه الحقائق وقلب المفاهيم وطمسها.

- الميل إلى الخلاف والصراع و النزوع إلى العداء والانتقام.

وتعد هذه المظاهر دليلا على اعوجاج فكري عن الحق والمنهج السليم.

وقد أظهرت نتائج الدراسات أن اتجاهات الشباب نحو فكرة ما أو جماعة معينة تحدد وجهة نظرهم في التعامل مع هذه الفكرة أو تلك الجماعة قلت معها مشاعر التسامح نحوها وقد يؤدي توجيه هذه المشاعر السلبية نحو الجماعة إلى الاستجابة الموافقة لها من الطرف الآخر الأمر الذي يعمل على استقرار الفكر.

كما تبين من خلال هذه الدراسات أن المتطرف متعصب لا يدرك الظروف والأحوال التي يمكن أن تعدل تفكيره ورأيه ويظل عقله منغلقا على ما لديه من أفكار.[5]

فساد الدين إنما يحصل عبر الغلو فيه فيقع تارة في العبادات، وتارة في الأشخاص وتارة في الآراء.

فالغلو في العبادات يؤول بأهلها إلى البدعة في الدين والغلو في الأشخاص يؤول بأهله إلى تبديل الدين والغلو في الآراء هو التعصب المذموم، ويفضي إلى اعتقاد العصمة في غير المعصوم.[6]

المبحث الثالث: أدلة النهي عن الغلو من القرآن والسنة

المطلب الأول: أدلة النهي عن الغلو من القرآن

لقد نهى الله عز وجل عن الغلو بجميع صوره وقد وردت أدلة متنوعة في ذم الغلو منها قوله سبحانه وتعالى:

"يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم".[7]

"قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل".[8]

"يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق".[9]

"فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا".[10]

فهذه الآيات جاءت صريحة في النهي عن الغلو وذمه، خصوصا الغلو المجاوز للحد الشرعي كونه تقدم بين يدي الله عز وجل ورسوله الكريم عليه أفضل الصلوات.

"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا".[11]

''قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا''.[12]

وهذه جاءت بالأمر بالتوسط وعدم الإفراط أو التفريط؛ فأهل الإسلام وسط بين الملل، وأهل السنة وسط بين الفرق والنحل لا يعتمدون إلا شهادة العدل الوسط، وهذه صفة للأمة المسلمة.

ومنها قوله سبحانه وتعالى:

-"وما جعل عليكم في الدين من حرج".[13]

-"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".[14]

-"يريد الله أن يخفف عنكم".[15]

وهذه جاءت في الحض على التيسير، ورفع الحرج والعنت والحث على الرفق، وذم العنف والغلو والتنطع أيضا؛ فالله عز وجل لا يحب كل صور الغلو لما فيها من عسر.

المطلب الثاني: أدلة النهي عن الغلو من السنة

لقد ذم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلو ونهى عنه في العديد من أحاديثه النبوية الشريفة منها قوله عليه الصلاة والسلام:

''يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين''.[16]

''اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به''.[17]

''هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون''.[18]

ففي هذه نهي صريح عن الغلو في الدين وعن التنطع بمجاوزة الحد الذي أوجبه الشرع

"بعثت بالحنيفية السمحة".[19]

"إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا".[20]

"إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف".[21]

"إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه".[22]

''من حرم الرفق حرم الخير".[23]

"إذا أراد الله بأهل بيت خيرا، أدخل عليهم الرفق".[24]

"من رغب عن سنتي فليس مني".[25]

''لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم''.[26]

''ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء''.[27]

وفي هذه ترغيب في التوسط والاعتدال في أمور الدين كلها، وترهيب من سن سنن سئية في الإسلام.

وصفوة القول إن الغلو سبب من أسباب الانقطاع عن العمل والصد عن سبيل الله وتنفير الناس من الدين وتشويه لجمال الإسلام ونقائه من كل الشوائب وما وجب ذمه إلا لأنه يؤدي إلى ظلم العباد وتضيع ما أوجبه الله عليهم.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.