•  منذ 4 شهر
  •  1
  •  0

كاتب(ة) : شيخ النقاد.محمد مندور

الشباب...وأزمة الإيمان!

هذا المقال كتبه شيخ النقاد دكتور محمد مندور في مجلة الثورة سنة ١٩٥٥، وكأنة يحدثنا عن حالنا اليوم.
"فحقاً مُغيب من لم يقرأ"

لقد درجت أفلامناً في السنوات الأخيرة على أن تُرثى للشباب بل وللشيخ أيضاً من سطوة أولئك الفرسان الثلاثة الذين جرت بذكرهم الركبان وهم الفقر والمرض والجهل ولكنني مع ذلك أظن أن شبابنا الناهضين أحق اليوم بالرثاء من سطوة فارس رابع هو الكفر وفقد الإيمان..

وانا لا أعني بالكفر أو أزمة الإيمان إنهيار الدين أو ضعف العقيدة الإلهية ولو أن شبابنا آمنوا بالكفر ذاته لما رثيت لهم كل هذا الرثاء فالطامة الكبرى هي أن تخلو نفسك من كل إيمان سواء أكان هذا الإيمان نافعاً شريفاً أو بأمر تافه ضاراً وذلك لأن النفس تصبح عندئذ كالريشة في مهب الرياح لا تستقر على حال من القلق.

وإنك لتلقى الشباب اليوم فلا تكاد تحس نفوسهم إيماناً صادقاً عميقاً بأي شيء وهم في هذا ضحايا لاجناه.
لقد حاول الشباب أن يؤمنوا بالدين ورسالته وإذا بالدين يتخذ مطية للأهواء والشهوات وإذا بحقائقه الناصعة تتوه وسط ضباب كثيف من الخرافة والتضليل فتزعزع إيمانهم بالدين.

وحاول الشبان أن يؤمنوا بالديمقراطية وسيادة الشعب فإذا بالديمقراطية تتخذ ستاراً للفساد والطغيان فيزعزع إيمانهم بالديمقراطية أيضاً لأنهم لم يتبنوا لهذه الديمقراطية حدوداً ومعالم مميزة وفي كل يوم يكتشفون أن ما كان يسمى بالديمقراطية لم يكن منها في شيء وأنها لم تكن إلا وسيلة للخداع والتضليل وتجاوز شكهم وحيرتهم حدود اللغة وألفاظها حتى أوشك أن يتناول حقائق الأشياء ذاتها ومضمونها الإنسانى.

وماذا كان يستطيع مثل هذا الشباب أن يفعل عندما كان يري رجلا مثل إسماعيل صدقي لا يكتفي بأن يصف حكمه بأنه حكم ديمقراطي فحسب بل ويصفه ايضاً بأنه حكم اشتراكى.

ولقد أتى على الشباب المصري يوم كان يؤمن فيه بسياسة القوة بل وسياسة الديكتاتورية الفاشية أو النازية ولكنه لم يلبث أن رأي تلك السياسات تنهار وتجر على شعوبها الذل والهزيمة فتزعزت ثقته بها وانفض إيمانه عنها بحيث لم نعد نحس لها اليوم في نفوسهم ركزاً.

ولو أنك تركت مجال السياسة ومجال الدين إلى مجال الأخلاق لوجدت الكفر وأزمة الإيمان أعمق وأشد تكالا. وذلك لما نسمعه من كثير من الشبان من أن الشرف ونبل النفس لم يعد لهما مجال في هذه الحياة وأنه لم يعد يتعلق بهما غير البلهاء الفاشلين وأنه لكى تنجح في الحياه يجب عليك كما قال بذلك:
"أن تسقط بين البشر كقنبلة او أن تتسلل بينهم كوباء"


وهكذا نلخص من هذا الإستعراض السريع الى داء خطير يفتك اليوم بالشبان وهو فقد الإيمان بكل شيء وبالتالي فقد الإيمان بالنفس وبالغير والسبب الجوهرى لهذه الأزمة هو عدم مطابقة الأقوال للأفعال عند السادسة والزعماء خلال السنوات الطويلة الماضية، وكانت هذه أكبر جريمة ارتكبوها ضد الوطن إذ زعزعوا الإيمان في النفوس حتى ليخيل إلينا أن مصر كانت قد وصلت إلى تلك المرحلة التي تصدُق عليها كلمة((ميترنيخ))
"أن اللغة لم تخلق للتعبير عما في النفس بل لإخفائه"


والآن ما هو علاج هذه الأزمة المحزنة وذلك لأننا قد نجد علاجاً للفقر أو للمرض أو للجهل ولكننا مع ذلك لن تنصلح أمورنا ما لم نجد علاجاً للنفوس من هذا المرض الخطير الذي افقدنا الإيمان بالنفس وبالغير وبالدين وبالخلق وأوشك أن يفقدونا الإيمان بالوطن نفسه.

وفي رأينا أن خير علاج لهذه الأزمة هو القدوة الحسنة التي يستطيع القادة أن يقدموها لشباب الوطن وذلك بمطابقه القول للعمل وشده الحرص على ألا يجاوز القول العمل ولا ينحرف عنه حتى يعود الإيمان إلى النفوس وتصبح اللغة وسيلة صادقة للتعبير عن النفس والحق لا لإخفاء مكنون النفس وما فيها من شر أو كذب.

وأما ما نود أن يكون وعاء للإيمان فقد سبق أن أوضحناه في عدة مقالات بهذه المجلة وهو العقل الذي يعصم من الضلال ويصدق في الحكم على الناس والأشياء كما يفضح الكذب والتضليل وينحنى العاطفة الجامحة ليبنى السلوك الإنساني على أساس سليم من حب الخير وتقدير المصلحة الحقة للفرد والمجموع.


إننا في حاجة إلى الإيمان وهي حاجة لا تقل إلحاحاً عن حاجتنا إلى الصحة أو العلم أو المال وذلك لأن هذا الإيمان هو عماد حياة المجتمع وإلا تحللت حياتنا الخاصة وحياتنا العامة وفقدنا صفة الإنسان الأساسية.
وهذا هو ما نأمل أن تحققه الثورة وبذلك تحقق للوطن أعز أهدافه وللشبان دعامة حياتهم الأساسية.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.