•  منذ 1 سنة
  •  0
  •  2

5 أخطاء ذهنية تؤثر على اختيارك للقرارات صحيحة

أحب أن أكون شخصًا منطقياً، لكنني لست كذلك، ومن الجيد أنني لست أنا أو أنت فقط هكذا، فكلنا غير منطقيين، ونرتكب أخطاء ذهنية.

ولقد أعتقد الباحثون والاقتصاديون لفترة طويلة أن البشر اتخذوا قرارات منطقية مدروسة، ولكن اكتشف الباحثون في العقود الأخيرة مجموعة واسعة من الأخطاء العقلية التي تعرقل تفكيرنا، حيث أننا في بعض الأحيان نتخذ قرارات منطقية، ولكننا رغم ذلك نتخذ الكثير من القرارات العاطفية والغير منطقية و المربكة.

ويهتم علماء النفس والباحثون السلوكيون بالإطلاع ومعرفة هذه الأخطاء الذهنية المتنوعة، وهناك العشرات من هذه الأخطاء، والتي لها أسماء مميزة مثل "تأثير التعرض المجرد" أو "المغالطة السردية"، وحقيقة لا أريد اليوم الخوض في مثل هذه المصطلحات العلمية، فبدلاً من ذلك، دعنا نتحدث عن الأخطاء الذهنية الشائعة التي تظهر في حياتنا في أغلب الاوقات، ومن ثم نقوم بشرحها بلغة يسهل فهمها.

فيما يلي خمسة أخطاء ذهنية شائعة تمنعك من اتخاذ قرارات صحيحة:

1. تحيز البقاء:
تزدحم كل وسائل الإعلام الشعبية تقريباً على الإنترنت بمشكلة تحيز البقاء خاصة في هذه الفترة، فيمكنك رؤية العديد من المقالات التي لها مثل هذه العناوين: "8 أشياء ناجحة يفعلها الناس كل يوم" أو "أفضل نصيحة حصل عليها ريتشارد برانسون على الإطلاق" أو "كيف يُدرب ليبرون جيمس بعد انتهاء الموسم"، وهكذا يمكنك أن ترى تطبيقاً عملياً لتحيز البقاء.

ويرجع تحيز البقاء إلى ميلنا في التركيز مع الناجحين في تخصص ما، ومحاولة التعلم منهم، وعدم الاهتمام التام بالذين فشلوا وهم يتبعون نفس الاستراتيجية.. وتكمن المشكلة في أننا نعرف الرياضيين الناجحين، بينما لا أحد منا يعرف آلاف الرياضيين الذين لم يصلوا إلى القمة أبداً، ونحن نخطئ في اهتمامنا بالاستراتيجيات والتكتيكات والنصائح التي يقدمها أي ناجٍ متفوق، وتجاهلنا حقيقة أن نفس الاستراتيجيات والتكتيكات والنصائح لم تنجح مع معظم الأشخاص الآخرين.

مثال آخر: " ترك كل من ريتشارد برانسون وبيل جيتس ومارك زوكربيرج المدرسة، ومن ثم امتلكوا المليارات! فالأمر لا يتوقف على ذهابك إلى المدرسة لتنجح، فرجال الأعمال احتاجوا فقط إلى التوقف عن إضاعة الوقت في الفصول الدراسية ومن ثم البدء."

وقد يكون نجاح ريتشارد برانسون ليس بسبب الطريق الذي سلكه إنما رغماً عن العقبات التي واجهها في هذا الطريق، ومثلما هناك من هم مثل برانسون وغيتس وزوكربيرج، فهناك أيضاً الآلاف من رجال الأعمال الذين قدموا مشروعات فاشلة ويمتلكون حسابات مصرفية ثقيلة بالديون ودرجات غير مكتملة، فإستراتيجية تحيز البقاء لا تكتفي بكونها مجرد إستراتيجية قد لا تعمل معك بشكل جيد، بل إننا أيضاً لا نعرف ما إذا كانت الاستراتيجية تعمل بشكل جيد في المطلق أم لا.

ولا نستطيع أن نجزم القول إذا ما كانت استراتيجية معينة تؤدي إلى النجاح المؤكد أم لا، وخاصة مع استمرار ذكر الناجحين، وتجاهل ذكر المنهزمين.

2.تجنب الخسارة:
ويرجع تجنب الخسائر إلى تفضيلنا الابتعاد عن الخسائر على الحصول على الربح، وقد ذكرت بعض الأبحاث أنه إذا أعطاك شخص ما 10 دولارات، فستشعر بارتياح كبير، ولكن إذا خسرت 10 دولارات فستشعر بعدم الرضا بشكل أكبر، نعم، قد تكون الردود متناظرة، لكنها ليست متساوية في أهميتها وقدرها.

وغالباً ما تؤدي رغبتنا في تجنب الخسائر إلى اتخاذ قرارات سخيفة، وتغيير تصرفاتنا فقط للحفاظ على الأشياء التي نمتلكها بالفعل، فمهتم كثيراً بحماية الأشياء التي نملكها، وهو ما قد يؤدي بنا إلى المبالغة في تقدير قيمة هذه الأشياء مقارنة بالخيارات المتاحة.

فعلى سبيل المثال إذا قمت بشراء زوج جديد من الأحذية، فهذا قد يمنحك متعة بسيطة، ولكن حتى ولو لم ترتدي هذه الأحذية مطلقًا، فسيكون أمر التبرع بها بعد بضعة أشهر مزعجاً بشكل لا يصدق، فقد لا تستخدمها أبدًا، ولكن لسبب ما لا يمكنك تحمل الخسارة، فتتجنبها.

ومثلاً عندما تصبح الإشارة خضراء أثناء ذهابك إلى العمل ستشعر بقليل من السعادة، لكن من الناحية الأخرى ستغضب كثيراً إذا كانت الإشارة خضراء، وفاتتك فرصة العبور، وبذلك يصبح فقدانك للإشارة الخضراء أكثر إزعاجاً من متعة العبور وهي خضراء من البداية.

3. توافر الإرشاد:
يرجع مصطلح "توافر الإرشاد" إلى خطأ شائع ترتكبه أدمغتنا، حيث أنها تفترض أن الأمثلة التي تتبادر إلى أذهاننا بسهولة هي أهم الأشياء أو أكثرها حدوثاً.

فعلى سبيل المثال ذكرت الأبحاث التي أجراها ستيفن بينكر في جامعة هارفارد أننا نعيش حاليًا في أقل الأزمنة عنفًا في التاريخ، وأن الناس الذين يعيشون في سلام في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى، وأن معدلات القتل والاغتصاب والاعتداء الجنسي وإساءة معاملة الأطفال مازالت تنخفض بشكل ملحوظ.

ويشعر معظم الناس بالصدمة عند سماعهم لمثل هذه الإحصاءات، بل ولا يزال البعض يرفض تصديقهم، فإذا كان هذا هو الوقت الأكثر سلاماً في التاريخ، فلماذا هناك الكثير من الحروب التي تدور الآن؟ ولماذا أسمع عن الاغتصاب والقتل والجريمة كل يوم؟ ولماذا يتحدث الجميع عن الكثير من أعمال الإرهاب والدمار؟

مرحبا بكم في توافر الإعلام والإخبار.

يكمن الجواب في أننا لا نعيش فقط في أكثر الأوقات سلاماً في التاريخ، ولكن أيضًا أفضل وقت يتم الإخبار عنه في التاريخ، فالمعلومات المتعلقة بأي كارثة أو جريمة متاحة على نطاق واسع أكثر من أي وقت مضى، وبذلك يمكننا من خلال البحث السريع على الإنترنت جمع الكثير من المعلومات حول الهجوم الإرهابي الأخير أكثر مما يمكن أن تنقله أي صحيفة قبل 100 عام.

ورغم تناقص نسبة وقوع مثل هذه الأخبار الخطرة، مازال احتمال أن يصلك أحد هذه الأخبار (أو الكثير منها) يزداد؛ ولأن هذه الأخبار متاحة بسهولة في أذهاننا، فإن أدمغتنا تفترض أنها تحدث بصفة مستمرة أكثر مما يحدث بالفعل.

إننا نبالغ كثيراً في تقدير تأثير الأحداث التي يمكننا تذكرها، ونقلل من أهمية الأحداث التي لا نسمع عنها شيئًا ونهملها.

4. الترسيخ:
يوجد بالقرب من منزلي مطعم هامبرغر خبير بالبرغر والجبن، وقد ذكروا في قائمة الطعام بجرأة شديدة أن "إضافة 6 أنواع من الجبن لكل برجر هي الحد الأقصى".

فكان أول ما خطر ببالي للوهلة الأولى أنه أمر سخيف فمن الذي يطلب ستة أنواع من الجبن على البرغر؟

ومن ثم خطر ببالي تساؤل آخر: ما هي الستة أنواع التي سأطلبها؟

لم أكن أعلم مدى براعة أصحاب المطعم حتى فهمت الترسيخ، فكما ترون كنت عادةً ما أختار نوعًا واحدًا من الجبن على البرجر، لكن بعدما قرأت في القائمة أن "الحد الأقصى هو ٦ أنواع من الجبن على البرجر الواحد"، كان يجول في ذهني اختيار عدد أكبر بكثير من المعتاد.

لن يطلب معظم الناس ستة أنواع من الجبن، لكن هذا التثبيت كان كافياً جداً لتحريك متوسط الطلبات من شريحة واحدة من الجبن إلى شريحتين أو ثلاث شرائح، وبذلك يزيد سعر البرجر بضع دولارات إضافية، فبدلاً من ذهابك للحصول على وجبة عادية، تخرج متسائلاً كيف دفعت 14 دولارًا للبرغر.

وتم تجربة هذا التأثير على نطاق واسع من الدراسات البحثية والبيئات التجارية، وقد وجد أصحاب الأعمال أنك إذا قلت مثلاً أن "الحد الأقصى 12 لكل عميل"، فسيشتري الناس ضعف العدد من هذا المنتج مقارنة بقولك أنهم يمكنهم الشراء "بلا حدود".

وفي إحدى الدراسات البحثية طلب من المتطوعين تخمين نسبة الدول الأفريقية في الأمم المتحدة، ولكن كان عليهم قبل التخمين أن يقوموا بلف قرص دوار يقف إما على الرقم 10 أو الرقم 65، وقد لوحظ أن المتطوعين الذين استقر قرصهم عند الرقم 65، كان متوسط ​​إجاباتهم حوالي ٤٥%، بينما الذين استقر قرصهم عند الرقم 10، كان متوسط ​​إجاباتهم حوالي ٢٥%، وبذلك فإن هذا التغير الحادث في النتيجة ما هو إلا نتيجة لترسيخ توقع المتطوعين قبلها بعدد أعلى أو أقل منه.

غالباً ما يكون الترسيخ مقترناً بالتسعير، فإذا كان سعر ساعة جديدة 500 دولاراً، فحينها قد تعتبر سعرها مرتفعاً للغاية بالنسبة لميزانيتك، في حين أنك إذا رأيت سعر ساعة ما للمرة الأولى في أحد المتاجر بقيمة 5000 دولار، فحينها ستبدو لك الساعة التي بقيمة 500 دولار مناسبة للغاية، فلا يُنتظر من الشركات التي تمتلك العديد من المنتجات المتميزة أن تبيع العديد من المنتجات بنفسها، ولكنها تلعب دوراً هاماً في ترسيخ عقلك، وبذلك ستبدو لك المنتجات متوسطة المدى أرخص بكثير مما لو كانت بمفردها دون مقارنات.

5. تأكيد التحيز:
ويعتبر تأكيد التحيز هو أصل جميع ما سبق، وهو يرجع إلى رغبتنا في البحث عن المعلومات التي تؤكد معتقداتنا وتفضيلها، وتجاهل المعلومات التي تتعارض مع معتقداتنا والتقليل من قيمتها.

فمثلاً إذا كان الشخص "أ" يعتقد أن التغير المناخي مشكلة خطيرة، ومن ثم قام بالبحث وقراءة القصص المتعلقة بحفظ البيئة وتغير المناخ والطاقة المتجددة فقط، فهذا بلا شك سيؤدي إلى مواصلة الشخص أ في التأكيد من معتقداته الحالية ودعمها.

بينما إذا كان الشخص "ب" لا يعتقد أن التغير المناخي مشكلة خطيرة، فسيقوم بالبحث وقراءة القصص التي تدعم كون التغير المناخي مجرد خرافة فقط، ويبدأ في البحث عن خطأ العلماء وأسبابه، وكيف يتم خداعنا جميعًا، وكل هذا سيؤدي في النهاية إلى مواصلة الشخص "ب" في تأكيد معتقداته الحالية ودعمها.

فتغيير رأيك أصعب بكثير مما يبدو، وكلما كنت تعتقد أنك تعرف شيئًا ما بصورة جيدة، كلما قمت باختيار المعلومات المناسبة لك وتجاهل كل المعلومات المعاكسة.

ويمكن أن يشمل أسلوب التفكير هذا أي موضوع تقريبًا، فإذا اشتريت سيارة هوندا أكورد للتو، وكنت تعتقد أنها أفضل سيارة في السوق، فإنك ستهتم بطبيعة الحال بقراءة أي مقال يمتدح سيارتك، لكن في نفس الوقت إذا اختارت مجلة أخرى سيارة مختلفة كأفضل اختيار في هذا العام، فإنك سترفض رأيها ببساطة، وتفترض أن محرري هذه المجلة قد أخطأوا أو كانوا يتطلعون لشيء يختلف عن الشيء الذي كنت تتطلع إليه في سيارتك.

فلا يعد أمر صياغة فرضية ما ثم اختبارها بكافة الطرق المختلفة لإثبات أنها خاطئة أمراً طبيعياً، بل سيكون من الأرجح أن نشكل فرضية ما، ونفترض كونها صحيحة، ومن ثم نقوم بالبحث فقط عن المعلومات التي تدعمها وتعزز منها، فلا يرغب معظم الناس في الحصول على معلومات جديدة، بل فقط يريدون التحقق من صحة المعلومات التي يمتلكونها.

أين يمكنني الوصول من هذه النقطة؟

بمجرد أن تفهم بعض هذه الأخطاء الذهنية الشائعة، فغالباً سيكون ردك الأول شيئًا مثل: "أريد إيقاف هذا عن الحدوث! وكيف يمكنني منع عقلي من التفكير بهذه الطريقة؟ "

إنه سؤال مقبول، لكنه ليس بسيطاً إلى هذا الحد، فبدلاً من التفكير في هذه التقديرات الخاطئة، سيكون من الأفضل اعتبارها دليلاً على أن الاختصارات التي يستخدمها عقلك ليست مفيدة في جميع الحالات، وهناك العديد من مجالات الحياة اليومية التي يحدث فيها مثل هذه العمليات الذهنية المذكورة أعلاه، ولكنها تكون مفيدة بشكل لا يصدق، فنحن لا نريد التخلص من طرق التفكير هذه.

وتكمن المشكلة في أن أدمغتنا جيدة في قيامها بهذه الوظائف -فتتبع مثل هذه الطرق بسرعة وبدون مقاومة- وبذلك سينتهي بنا المطاف إلى استخدامها في بعض المواقف بحيث تكون بلا فائدة.

ويكون الوعي الذاتي في مثل هذه الحالات أحد أفضل خياراتنا المتاحة، وفي النهاية نأمل أن تساعدك هذه المقالة في اكتشاف هذه الأخطاء عندما تقوم بها في المرة القادمة.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.