•  منذ 10 شهر
  •  1
  •  0

ظاهرة الانحراف الفكري في أوساط الشباب وطرق معالجتها في المجتمعات الإسلامية

الكاتبة: نوال الراضي

إن المدخل الذي يدخل منه دوما أصحاب الأفكار الهدامة والدعاوى الباطلة هو مدخل التفكير المنحرف؛ فالجريمة ترتبط ارتباطا وثيقا بالفكر المنحرف للإنسان؛ ارتباطا مطردا من حيث المبدأ، ولا يقدم عليها أو يمتنع عنها إلا على أساس من هذا الارتباط.

وتبرز أهمية الفكر على نواحي الحياة الأخرى في كونه المدخل الطبيعي لها، والذي دون تحققه لا يمكن أن تتحقق الحياة بمستوياتها المختلفة، فمهمة الفكر تتلخص بتوفير السلامة والطمأنينة للجميع ضد كل الاتجاهات الهدامة ذات الطوابع الفكرية وغير الفكرية التي شأنها تقويض البناء.

من هنا فإن مواجهة الجرائم التي تقع في المجتمع تبدأ من مواجهة الأفكار الهدامة والانحراف الفكري الذي يقف وراءها.

فما هو الانحراف الفكري إذن، وما مدى خطورته وما السبيل إلى معالجته في المجتمعات الإسلامية؟

المحور الأول: تعريف الانحراف الفكري

أ‌-الانحراف

كلمة الانحراف مأخوذة من مادة حرف (ح ر ف)، ومن معانيها في اللغة العربية أنه يقال ''حرف الجبل أي أعلاه المحدد ويقال فلان على حرف من أمره أي على ناحية منه''.[1]

ومنه قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف).[2]

وجاء في تفسير قوله تعالى على حرف على شك في عبادته.[3]

فقد شبه بالحال على حرف جبل في عدم ثباته وقال ابن عطية في تفسيره على حرف انحراف منه على العقيدة البيضاء.[4]

وقال الزمخشري: ''على حرف على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه وتحريف الشيء عن موضعه يعني تغييره''.[5]

ومنه قوله سبحانه وتعالى: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه).[6]

ب- الفكر

-الفكر في اللغة: قال ابن فارس (1302هـ): "الفاء والكاف والراء تردد القلب في الشيء".

يقال: ''تفكر إذا ردد قلبه معتبرا، ورجل فكير: كثير الفكر''.[7]

وقد عرف الفكر في الاصطلاح بمجموعة من التعاريف منها:

-''الفكر ترتيب أمور في الذهن يتوصل بها إلى مطلوب؛ يكون علما، أو ظنا''.

-''وجملة القول: إن الفكر يطلق على الفعل الذي تقوم به النفس عند حركتها في المعقولات أو يطلق على المعقولات نفسها، فإذا أطلق على فعل النفس دل على حركتها الذاتية، وهي النظر والتأمل، وإذا أطلق على المعقولات دل على المفهوم الذي تفكر فيه النفس''.

-''الفكر في المصطلح الفكري عامة - والفلسفي خاصة- هو الفعل الذي تقوم به النفس عند حركتها في المعقولات؛ أي النظر والتأمل والتدبر والاستنباط والحكم، ونحو ذلك، وهو كذلك المعقولات نفسها؛ أي الموضوعات التي أنتجها العقل البشري''.[8]

المحور الثاني: خطورة الانحراف الفكري في أوساط الشباب ومعالجته في المجتمعات الإسلامية

أ‌-خطورة الانحراف الفكري في أوساط الشباب

إن قضية الانحراف الفكري هي قضية ملحة في العصر الحالي، حيث ظهرت في مجتمعنا خلال الآونة الأخيرة بعض الأحداث التي تثبت أن فئة من أبناء هذه الأمة يعانون من تشويه أفكارهم حيال هذه القضية ما يمثله الفكر من صمام أمان ضد الأفكار الهدامة والتصرفات المشينة؛ فالفكر لا يقل إن لم يكن يزيد في أهميته عن مجالات الحياة الأخرى السياسي منها والعسكري، لذلك يبدوا تعزيز الفكر ضرورة ملحة وبخاصة في ظل ما يقع من أعمال منحرفة تنتج دوما عن وجود انحراف فكري وتزيد المشكلة خطورة، في ظل عدم وجود إستراتيجية واضحة المعالم للتعامل مع خطورة الانحراف الفكري وقد تزايدت المشكلة خطورة وخاصة في أوساط الشباب حيث إن اتساع وقت فراغ الشباب في ضوء البطالة، والهزات الاقتصادية العالمية، والخصخصة غير المقننة إلى تهيئة البيئة المناسبة لاستقطاب الشباب وتزويدهم بأفكار منحرفة لتحقيق أهداف ومآرب أخرى.[9]

ب‌-طرق معالجة الانحراف الفكري في المجتمعات الإسلامية

إن ظاهرة الانحراف في المجتمعات الإسلامية، ظاهرة معقدة، ولذلك فالحاجة ماسة إلى معالجتها ومواجهتها، تكون قوامها التكامل والشمول، ويقتضي ذلك ضرورة الربط بين جهود وخطوات المعالجة لظاهرة الانحراف الفكري، وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تقوم بدور فعال لتطوير المجتمع، وتنمية البنية الاجتماعية متفادية الانعكاسات السلبية المولدة للإجرام والانحراف، وبناء على ذلك يمكن معالجة ظواهر الانحراف في المجتمعات الإسلامية والتصدي لها إذا اعتمدت هذه المعالجة على: التعليم الإسلامي حيث إن الجانب الديني والأخلاقي هو المبدأ الأساس الذي ينبغي أن ترتكز عليه وتنطلق أية جهود أو خطط لمواجهة ظاهرة الانحراف في المجتمع الإسلامي، وعليه ينبغي أن تتأسس هذه الجهود على البنية الإسلامية، ولذلك تعد الرؤية الإسلامية محورا رئيسا تدور حولها معظم صور المواجهة والتصدي لما له من تأثير بالغ في هذا الشأن؛ لأن الدين الإسلامي يؤدي دورا مهما في تقويم النفوس وتهذيبها على الطريق المستقيم؛ وذلك لما يحييه في النفوس من مفاهيم الطاعة، والاستقامة والثواب والعقاب والخير والشر، ومراقبة الله تعالى من خلال ممارسة الأعمال الصالحة والواجبات الدينية، ويؤكد أن الدين يؤدي الدور الرئيسي لمعالجة ظاهرة الانحراف لأن ضعف الوازع الديني والذات الأخلاقية من شأنهما أن يجعلا الفرد فريسة للازمات النفسية والاضطرابات السلوكية التي تؤدي إلى الانحراف، وبالتالي يوفر الشعور الديني آلية للضبط لدى الفرد المسلم بحيث يحرص على أن يبتعد عن ألوان الانحراف وصوره، كما أن للإسلام منهجه المتميز في معالجة ظاهرة الانحراف وتقويم سلوك الإنسان؛ لأنه يهتم بغرس وتنمية الشعور الديني في نفوس الأفراد ولإيقاظ ضمائرهم التي تحكم سلوك المسلم وتضبطه بضوابط الشرع، وذلك بتحقيق وسائل التربية المؤثرة، في بناء المجتمع المثالي من جهة، ومن جهة أخرى تنشئة أفراد وجيل يمارسون فعل الخيرات وترك المنكرات، ويبتعدون عن الأعمال المنحرفة وظواهرها، ويتربون على النموذج المثالي عقديا، وخلقيا، ويتكونون علميا ونفسيا واجتماعيا، وتتركز هذه الوسائل على أمور خمسة، وهي التربية بالقدوة، والتربية بالبيئة الصالحة، والتربية بالموعظة، والتربية بالملاحظة، والتربية بالعقوبة.

فأما القدوة فإنها تعتبر من أهم الوسائل في إعداد الفرد خلقيا ونفسيا واجتماعيا، فالقدوة عامل كبير في إصلاح الفرد وفساده، فإذا كانت القدوة حسنة نشا الفرد في المجتمع على الصدق والأمانة والخلق الكريم، ولذلك جعل الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام قدوة حسنة للناس أجمعين، فقال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).[10]

فالرسول عليه الصلاة والسلام يمثل صورة كاملة للمنهج الإسلامي؛ ليكون للأجيال المتعاقبة الصورة الحية الخالدة في كمال خلقه وشمول عظمته.

وأما البيئة الصالحة: ومن الأمر المؤكد إنه إذا تيسر للفرد عامل البيئة الصالحة فإن الفرد ينشأ على الإيمان الحق، ويتخلق بأخلاق الإسلام ويصل إلى قمة الفضائل النفسية والمكارم الذاتية، فلا ينحرف على الطريق السوي،

وكذلك التربية بالموعظة، لأن الموعظة الحسنة للفرد وتذكيره بالنصيحة الطيبة في المجتمع المسلم تكون عاملا كبيرا في بناء المجتمع النموذجي؛ لما لها من أثر بالغ في تبصير الفرد حقائق الأشياء ودفعه إلى معالي الأمور.

بالإضافة إلى تربية أفراد المجتمع بالملاحظة، فذلك يتم عن طريق ملازمتهم ومراقبتهم في التكوين العقدي والأخلاقي، وفي الإعداد النفسي والاجتماعي، والسؤال المستمر عن أحوالهم؛ ليكونوا أفرادا متوازنين متكاملين يعرفون كل حق في الحياة، ويؤدون لكل ذي حق حقه، ويحسون بمسؤولياتهم وواجباتهم.

وأما تربية الأفراد بالعقوبة التي قررتها الشريعة الإسلامية فذلك للمحافظة على الدين والنفس والعرض والعقل والمال والعقوبة هي العلاج الحاسم لمعالجة الشعوب وإصلاح الأمم، ومواجهة ظواهر الانحراف والجرائم، وتثبيت دعائم الأمن والاستقرار في المجتمعات.[11]

تأسيسا على ما سبق يمكن القول: إن ظاهرة الانحراف الفكري من اخطر الظواهر المعقدة في المجتمعات الإسلامية التي يستعصي على الشباب أن يحول دون الوقوع فيها بدرجات متفاوتة طبعا، وانطلاقا من هذه الخطورة يتبلور دور الدين الإسلامي في معالجة هذه الظاهرة عن طريق مجموعة من الوسائل أهمها التربية الحسنة والموعظة والقدوة الحسنة وغيرها كثير.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.