•  منذ 2 سنة
  •  0
  •  0

كاتب(ة) : عبير حسن

عودة

أؤمن بأن المقدسي سيعود لأرضه، والطائر لعشه، ولا بد للمهاجر أيضًا من عودة لجذوره، سيظل الوريد الممتد بينك وبين الوطن يصدع بالأنين، حتى ترضخ بالعودة."


ضغطت على زر (نشر)، أغلقت حاسوبها المحمول زفرت لهيب الفؤاد المحترق، وكأنها عبثًا تزفر حملًا أثقل كاهلها، أطلقت العنان لعينيها متأمله وجوه البشر المختلفة حولها.

"في ثناية الوجوه تكمن القصة، ها هو وجه متجهمًا متحفز للقتال، وآخر رُغم العمر يحمل في ثناياه براءةٍ هجرتنا، ووجوه امتزجت بها الدماء فلا تعرف لها أصلَ، وتلك الوجوه تحمل شمسٍ عربية، وعبير وطنٍ كبير ممزق الأوصال، لفظتهم أرحام الأوطان كما يلفظ البحر نجماته.

(محدثتنا نفسها)

"كُنت أحد نجماته يومًا، لكن للحق لفظته قبل أن يلفظني.."

تفيق من شرودها على صوت "على المسافرين على متن الطائرة…."

على عجل ارتشفت آخر فنجان قهوة تحت تلك السماء، حملت حقائبها والقت النظرة الأخيرة..

"سلامٍ لوطنًا احتويت جُرحي لعشر سنوات لم تستطع صقيعك إيقاف النزف."

بجوار النافذة جلست متأمله سماءً لم تراها إلا ملبدة بالغيوم كحياتها الضبابية.

"لندن أرض الأحلام كنتِ، لارتطم بحقيقتك الباردة كأرجائك، كل شيءً يفتقد الدفء، الحديث والمشاعر واللغة لا تسعد جدًا ولا تحزن حقًا، ولا تعشق بكل ذرة بكيانها، لا بل أقصد لا يحبون أصلًا فهم لا يعرفون العشق.

لكم افتقد لكل ما هو (جدًا جدًا). كل شيءً هنا ذو بريق زائف كمتحف الشمع، تجد الإنسان ولا تجده.

عشر سنوات من الهروب بلا فائدة، تناسيت بهرُبي أني أحمل شمس وطني في محياي، وعبيره في جسدي، وترابه عالقًا بيّ، نيله شرياني يغذي الجسد المنهك، تحمل كل ذرة بكياني جزءٍ منه، حتى باتت تفاصيله الصغير المميزة تشكل تفاصيلي.

أتساءل هذه اللحظة لما حملتني ولذت بالفرار!! وكيف افر بجزئي من كلي! وادع أوصالي ممزقتًا بين أوار وطني وصقيع لندن. أعود اليوم واحمل خيبات فوق خيبات فررت بها من وطني. كنت عصفورًا أنشد الحرية المزعومة كطائر العنقاء لا وجود له كل الأوطان سجنٍ كبير، مجرد مسرح عرائس تحركها الحبال."


كفراشة خرجت من شرنقتها لتو لتجد الأيدي تتلقفها والعيون تفيض حنانٍ. تدللي كيفما شئتِ. وفى الظلام تُحاك المكيدة الكبرى، يخبئون الأصفاد خلف أظهرهم.


"وبسذاجة طفلة صدقتهم فهم من نادوا بحريتي، هم من مزقوا شرنقتي، لإخراجي للنور. ولجهلي لم أدرك أن تمزيق الشرنقة للفراش قبل تمام النمو قتلًا، كيف أكافئهم عليه! لكن في حقيقة الأمر كنت كعسكري ضعيف على استعداد لتقديم دمه قربانًا لملكٍ ينعم على فُرشٍ من حرير، لا يلقي بالًا لتلك الدماء. تسللوا في شرياني بأفكارهم البراقة، هنا يعادي كل ما يحمل تاء التأنيث، هناك يقدرونك حق قدرك. مزقِ شرنقتك وتخلصِ من أصفاد عبوديتك. كالعصفور أنتِ، والعصفور لا يحمل الأغلال ليحلق عليًا، تخلصِ مما أثقل جناحيكِ، تنصلِ من كل المعتقدات، هي محض موروثات زائفة، ثوري، حطمي ادعسي، اضربي بكل شيءً عرض الحائط، اهجري ذاك المستنقع العفن. كالزهرة أنتِ انثري عبيرك بين الأرجاء سيدتي."


تسللت العبرات من مُقلتيها لتهشم قوةً زائفة كشظايا البلور…


"لم ولن أنسى سيل عَبرات أمي مبللتًا كتفي حين رحيلي، وحمرة مقلتيها أثر تجافى النوم لثلاث لي سبقت قراري الأخير بالهجران، وكيف يتسنى لي نسيان نظرات القسوة المصطنعة بعين أبي وخيانة أوصاله ارتجافٍ جراء سحبي حقيبة سفري، وآه لتلك العبرات المتحجرة بعين أخي الأكبر، ولوعتي لحرماني من إلقاء نظراتٍ أخيرة على صغيراي مازن ومريم، خوفًا عليهم منِ، من أن يكبروا ويحذو حذوي.

أبي، أمي، طه، كنتما محقين، قسوتكما حبٍ، ومهما قسوتهم لم تكن كقسوة عشر سنوات من الوحدة، من الغربة، عشر سنوات من الركض في غابة موحشة، عقدًا كامل هلك في أرض بغيضة لا تتكلم سوى لغة المادة والأرقام. عقدًا أُرافق الحزن وأحتضن وحدتي مساءً، عبثًا محاولتًا تدفئة فؤادًا دبت في أرجائه الصقيع."

تخرج من حقيبة يدها صورةً لشاب ذو ثغراً باسم..

"أعترف الآن أنك محقًا تمامًا، وكما أخبرتني في لقائنا الأخير، كل ما تركضين خلفه زهرتي _كما كنت تدعوني دائمًا_ محض سراب، لا تقتربي أكثر، أفيقي أرجوك.. ويالا حماقتي، أردت أن أثور وانتقم من كل رجلًا قسى عليّ بحياتي، فكنت أنت، أول رجلًا يمر بيّ، رفيقٍ رقيق، عاملتي بحنوّ لم أعهده، فلم أصدقه.

كيف حالك يا تُرى؟ كم من الأبناء لديك؟ هل لا زلت تذكر زهرتك؟ أأسميت صغارك كما اخترنا أسمائهم؟ أتحمل ابنتك أسمي بعد رحيلي؟ أم كرهتني وذكراي؟"


تفيق من شرودها الطويل على صوت المضيفة معلنا اقتراب الهبوط…

وعلى أول سلم ملئت رئتيها بقوة مستنشقتًا عبير الوطن…


"حتى عبير الأوطان تختلف، لكل وطنٍ رائحة، لا يُميزها إلا من اعتاد الترحال، إلا من تمزق نياط قلبه بالهجر، وكأنِ بالأمس هنا .."


تسلمت حقائبها وزاغت ببصرها بين الحشود الواقفة تلهفًا لاستقبال ذويهم، وبشرودًا..

(محدثة نفسها)

"هل من أحد يذكرني؟ أمي أبي طه، بالتأكيد مازن ومريم نسياني تمامًا، أما عمر كرهني أكيد…

حتى وإن كانا يذكراني لم أخبر أحد بقدومي، ليتسنى لي الاستعداد لهذا اللقاء.."

وقع بصرها لافتة تحمل اسمها، فتقف شاخصة البصر فاغرة الفاه متحجرة المقل..

-أأنت أنت!!

بوجهًا يكسوه السعادة، وثغرًا يشع ضياءً، مع ترقرق العبرات بالمقل..

=زهرتي.

-أما زلت تذكرني!!

=ما نسيت لأذكر.

-كيف عرفت بأمر عودتي؟

=أتابع حسابك الشخصي على كل وسائل التواصل، وأتحرى كل أخبارك منذ سفرك.


تلمس بين أناملها دفئ أذاب ثليج أعوام الهجران العشرة، وعلى أحد طاولات المطار أكمل حديثه قائلا

=هذا الصندوق سيحدثك بكل شيء.

-ماذا به!!

=افتحيه هو لك.

-لماذا تصر على أن نتحدث هنا والآن؟

=كيف للظمآن يغادر النبع بعد أن أوشك على الموت عطشًا!!

نظرت بُره بعينيه، ليخلوا المحيط إلا منه، واختفت الوجه إلاه..

تناولت الصندوق وعلى عجلٍ فتحته، يتراقص قلبها فرحًا لأول مرة منذ عشر سنوات، والثغر أشاح الضباب؛ ليحرر ضياء الروح، فتني أرجاءه من جديد.

-هذه القصاصات كلها لنا! صورنا، مراسيل مراهقتنا، رباط شعري الضائع، كل شيء بيننا جمعته هنا!!

=هذا شرياني النابض الوحيد منذ علقت روحي بحقائب سفرك، فهجرتني معك…

-لما لم تمنعني؟ لمَ لم تمسك بيّ؟ لما لم تصفعني؟ يا ليتك كبلتني…

=كالنسر كنتِ تهوين القمم، إذ فعلت لقتلتك، فآثرت فِراق روحي..

-خفت عليّ لحظة حزنًا واحدة، فمررت بعدك بعشر سنين عجاف..

=المهم، صدقتِ بأن الأمر خُدعة، وكنتِ أداه استغلوا حاجتها لأغراض كبرى؟؟

-ودفعت عشر سنوات مقابل، لكن مازال بفؤادي غصة منكم، تركتم ثغورنا، فتسلل العدو ليلًا…

=اتفق جدًا.

-ماذا الآن.

=زهرتي عادت تنثر عبيرها، فتلون الوطن، فردت إليّ روحي، حتي وأن ولتني الدنيا الآن بكاملها بوجودك لا أبالي.

-زهرتك ذبُلت، وعبيرها رحل مع سنين الهجر العشرة، جفت أوراقها وصارت هباءً منبثا. كيف قسوت مثلهم وتركتني…

=لم ولن أفعل، غير أنكِ وضعتني بين شقي الرحى، بينك ومعتقدي، كيف أفعل وشمس الجنوب تُغلى الدم بالوريد!! أغار عليكِ جدًا، لم يكن الأمر كما ظننتِ أنِ أغار من نجاحك، وأقصص جنحيكِ، أأترك زهرتي بحديقة عامة يتنسم عبيرها العابرون، وأدع جوهرتي بميدانٍ للناظرين!!

-قديمًا كنت أكره ذاك الكلام أظنه حُمق، طريقة لفرض سيطرتك، أو إلغاء شخصيتي، كما كانوا يحشو عقلي بهذا الكلام.

=واليوم؟

-مزّقت الطُرقات فؤادي، وهزمتني الوحدة، وأرهق روحي العند، اكتشفت أن حريتهم خدعة، أخرجوني من شرنقتي لاستغلال كل جزءًا بيّ، استغلال سيىء لمتعته بصرهم فقط.

=عانيت كثيرًا لأزيل الغمامة عن عينيك، كم خشيت عليكِ هذا المصير.

-حرمتُمونا حقوقًا منحنا إياها ربي، واتبعتم معتقدات وأفكار ما أنزل الله بها من سلطان، ففتحتم ثغورنا للعدو، فصرنا كالعصور ينشد الحرية، ينظر من يفتح القفص حتى وإن كان قطًا سيأكله بعد لحظات، سيدفع عمره مقابل لحظة الحرية تلك.

=أتفق معكِ، قسوتنا وتعنتنا، هم من أوقعناكن فريسة لشعارات براقة، حق أريد به باطل.

-ماذا الآن.

=أحبك جدًا.

-أحبك أكثر.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.