•  منذ 1 سنة
  •  1
  •  0

الرواية وتأويل الكتابة السردية

عزيز العرباوي

يمنح النص السردي للمتلقي مادة أساسية ومعرفية في تكاملها وتناسقها الكلي الشامل على مستوى اللغة والمعنى حيث تتحقق من خلالها شروط النصية والتناسق والانسجام، فيعمل على التقاط المعنى الأساسي دون تأثر أو تعثر على مستوى الحكي والوصف والسرد. إن النص السردي في شموليته يمنح المتلقي المحلل إمكانية للتأويل وتأمل الدلالة الكلية دونما تأثر بدلالات الأجزاء والفصول المتعددة.

وفي هذا الإطار، تشكل الرواية إمكانية لالتقاء العديد من المجالات والحقول والأشكال التعبيرية والمرجعيات والمواقف الذاتية والجمعية، إضافة إلى التفاعلات لمتعددة والتي تتقاطع فيما بينها وتتشاكل بأسلوب فني وجمالي مركب، من خلال انصهارها وذوبانها في إطار حكائي محض. هذه المميزات هي التي منحت الرواية العربية عموماً أدوات كثيرة للتواصل والتأصيل في الأدب، وصيَّرتها في وضع يمكن معه تطوير المتخيل وتوسيع مداه...

إن انفتاح الرواية على التأويل، وارتباطها الوثيق بالحياة والسائد، وقدرتها على الاسترجاع والاستباق والانفتاح على المستقبل واستشرافه للبحث عن ممكنات السرد والحكي، واستحضارها لخطابات متعددة تساهم في تخصيب عوالمها وإنماء تجربتها وتطويرها... كل هذا يساهم مساهمة أساسية في الانفتاح على المتخيل بكل أشكاله وأنواعه ومنطلقاته.

ومن أجل الوقوف على هذه القضايا، ينبغي على الباحث أن يبلور المفاهيم المسعفة في عملية التحليل، وأدوات التأويل للفهم والتدليل على آرائه، إضافة إلى القبض على الاتجاهات المتخيلة والانفعالات المتعددة في ثنايا النص والخطاب الروائيين... ولقد اقتربت الرواية العربية بدرجة أو بأخرى بمسافتها الفنية والجمالية من عواطف المرء ووجدانه وحتى من متخيله. بل كانت في الموعد مع قضايا الإنسان الثقافية والاجتماعية والدينية من خلال عملها على مدِّها علاقات مع الأشكال التعبيرية الأخرى التي تنتمي إلى حقول معرفية وأدبية أخرى.

إن الرواية تنشغل بخصوصيات اللغة وعشوائيتها إذا ما وُضع في الاعتبار أن كل نص روائي يُبنى على خلق عالم، أو حالة ذهنية تشكل نوعاً من الإيهامات بالواقع. يقول الناقد شاكر حسن راضي في ذلك: "وفي الوقت الذي لا تتظاهر فيه الرواية بأن الأحداث التي تسجلها أو الأشخاص الذين تقدمهم يمثلون جانباً جمالياً، كما هو الحال مع المسح التاريخي أو السيرة الذاتية، إلا أنها تبقى تعتاش في استعاراتها على نسيج الخطابات اللغوية التي تصنع ذلك العالم. فالرسائل المتبادلة في الرواية، والحوارات التي تدور بين الشخصيات والأحداث والمشاهد التي يسردها الرواة تشترك في الكثير من الأشياء مع نظيراتها التي تقع خارج عالم الرواية، ويتولى الروائي عملية التشذيب والمعالجة وفقاً لمتطلبات حدود عمله؛ لكننا نحكم على نجاح العمل بمدى قدرته على الإقناع والإيمان به كنتاج نهائي". ويضيف الناقد أيضاً أنه حتى مع استخدام أساليب تجريبية مثل أسلوب تيار الوعي الذي لجأ إليه جيمس جويس في روايته "يوليسيس" مثلاً، "تبقى المحاكاة هي المبدأ السائد، فقد حاول جويس لأول مرة أن يقدم محاكاة لغوية لحالتنا ما قبل اللغة، ولهذا السبب أهمل على نحو عام التنقيط والبنى النحوية المتماسكة... فهو لم يكنْ يكتب عن اللغة؛ بل يستخدمها كوسيلة من وسائل المحاكاة"[1].

ويرى عبد الملك مرتاض أن كاتب العمل الروائي يحاول أن يجعل الشخصية الساردة في مقام المتكلم عن جميع الشخصيات، متى أراد ذلك وتحت أي وصف يراه مناسباً، فقد يعطي السرد الفن الروائي اللغة الشاعرية التي تؤكد الاقتضاب والتكثيف والابتعاد قدر المستطاع عن سوقية الكلمة أو تقعرها، لغاية إثارة المتلقي وجعله يقوم بدور تكملة العمل، ولا يكتفي أن يكون مستهلكاً له[2]. إن السارد عندما يريد أن يقدم شخصياته الروائية يعمل على استعراض بعض المعلومات عنها، أو طرح إرشادات ونصائح، أو النفور من بعض المواقف التي تنخرط فيها، أو تجميلها بحسب رؤيته كسارد أو بتعبيره عن رؤية المؤلف نفسه.

ويرى فهد حسين أيضاً أن السردية هي عملية إنتاجية تسعى إلى وصف الحدث في إطار الزمان والمكان المحددين، والدخول في النفس البشرية واصفة الشخصيات وخواطرها ومشاعرها. فتعدد السرد ووظيفة السارد يتمثلان فيما يلي[3]:

- السرد الموضوعي: الذي يكون فيه الروائي مطلعاً على كل شيء، من خلال ما هو ظاهر وما هو باطن عند الشخصيات الروائية، ويقابل ذلك السارد المحايد الذي لا يتدخل في السرد لكي يفسر الأحداث وإنما ليقوم بوصفها فقط كما يشاهدها أو كما يستقيها من أذهان الأبطال، فضلاً عن تركه الحرية للمتلقي لأن يفسر ما يقرأه أو يُحكى له.

- السرد الذاتي: وهو تتبع الحكي من خلال عيني السارد أو من طرف مستمع، متفقين على تفسير كل خبر متى وكيف عرفه السارد أو المستمع. وهنا لا تقدم الأحداث إلا من زاوية السارد، فهو يخبر بها ويعطيها تأويلاً يفرضه على القارئ، بل يدعوه للاعتقاد به كالروايات الرومانسية مثلاً.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.