•  منذ 3 سنة
  •  2
  •  0

القراءة وتربية الناشئة

عزيز العرباوي: كاتب وناقد

استقطب موضوع القراءة منذ زمن طويل اهتمام الباحثين والدارسين الذين تعددت مقارباتهم واختلفت بطريقة أو بأخرى أساليبهم وحتى أطروحاتهم النظرية حوله باعتباره موضوعاً إشكالياً متعدد المنافذ والأبعاد، والذي استطاع أن يمثل تقاطع العديد من السياسات والممارسات التربوية والاستراتيجيات الثقافية التي تؤسس لمجتمع القراءة والمعرفة ولإنتاجهما وإعادة إنتاج جيل مختلف عن سابقه.

إن المقاربات التربوية المختلفة التي تعاطت مع موضوع القراءة كلها أو جلها على الأقل قد أولت لظاهرة القراءة المدرسية الفصلية (نسبة إلى الفصل الدراسي) أكثر من أن تهتم بالقراءة الحرة باعتبارها قراءة أكثر حرية في الاختيار والمطالعة والقبول بها، أولاً نظراً لأنها تنبع من الاختيار الحر غير المرتبط بالمقرر الدراسي وبإملاءات المدرس أو ما شابه، وثانياً لكونها قراءة ترتبط بالرغبة والحب والمتعة المتعلقة بالمعرفة وبناء الذات والشخصية الحرة المتفاعلة مع المجتمع ومع ما يروج فيه ومع التعبيرات الفنية والأدبية والعلمية المنشورة.

إننا نعلم يقيناً، أن كل ما هو واجب ومفروض على الطفل واليافع والشاب هو بالدرجة الأولى مسألة انصياع وتحقيق رغبة خارجية غير ذاتية. وبالتالي، فكل ما يمت بصلة إلى المقرر الدراسي، سواء كان الأمر يتعلق بالقراءة أم بغيرها من المواد المدرسة، لا يرقى إلى اهتمام المتعلم أو إلى رغبته الكبيرة في التعاطي معه بحب ومتعة ولذة. لكن، إن قلبنا الآية، وتركنا الحرية له للاختيار لما وجدناه يرغب في قراءة فصلية بقدر ما يرغب في قراءة نصوص أخرى تجذبه وتحبب إليه المطالعة وارتياد الآفاق.

إن أهمية القراءة تفترض من القائمين على الشأن التعليمي بالمغرب أن يضعوا لها استراتيجية محكمة البناء والتأطير والتنظيم لتحقق أهدافها وغاياتها الكبرى، القراءة الحرة التي تهدف إلى بناء جيل لا يؤمن بالتلقين والحفظ عن ظهر قلب والاستظهار الببغائي لما يتلقاه من معارف ونصوص، بل جيل متعلم قادر على المساهمة في بناء المعرفة والتعلم الذاتي، وقادر أيضاً بناء شخصيته المستقلة التي تكسب المهارات العملية والعلمية وتؤسس لها في الواقع.

وهذا لن يتحقق إلا إذا تضافرت الجهود لوضع هذه الاستراتيجية دون إغفال جانب التوجيه وإشراك المتعلم في اختيار ما يقرأه وما يرغب فيه. دون هذا لن تكون للقراءة غاية اللهم الغاية المدرسية الجافة التي تخلق نوعاً من الارتجالية في التقديم والتدريس لدى المدرس، ونوعاً من الضبابية والروتينية لدى المتعلم.

تتغنى برامجنا التعليمية ومخططاتنا التربوية بأحقية التلميذ في الاختيار وأحقية المدرس في بناء التعلمات واختيار المقررات أو على الأقل المساهمة فيها، لكن الواقع يقول عكس ذلك. فكل البوادر والتجارب تؤكد أن مقرراتنا الدراسية تنزل على المتعلم والمدرس من فوق، وهما مدعوان قصراً للاحتكام إليها دون انتقاد أو تصرف أو حتى الإدلاء بملاحظات حولها.

فمن خلال تجربتنا العملية التي دامت أكثر من عشرين سنة في الميدان تأكد لنا بالملموس أن أغلب المواد المقدمة في مدرستنا المغربية تحتاج إلى إعادة نظر، بل إنها في حاجة إلى مؤلفين ممارسين مستقلين لا ينصاعون إلى أي جهة أو يميلون إلى أية إيديولوجية لإبداع مقررات مميزة تساهم في بناء جيل الغد مختلف عن جيلنا وعن الأجيال التي سبقتنا.

فالقراءة، على سبيل المثال، لا ترقى إلى متطلبات الواقع المجتمعي ولا إلى انتظارات المدرس والمتعلم المغربيين، نظراً لكون أغلب النصوص القرائية المقترحة في الكتب الدراسية هي نصوص غير مقنعة على المستوى الفني ولا على المستوى الجمالي وحتى المعرفي... هذا الأمر ينطبق على القراءة الفصلية المرتبطة بالمقرر الدراسي، فما بالنا إن كان الأمر متعلقاً بالقراءة الحرة وبنصوص مختارة للمطالعة الخارجية.

تتجلى أهمية القراءة في المدرسة المغربية في اعتبارها الأساس لكل التعلمات الأخرى. ومن دون هذا لن تنجح أية مبادرة أو خطة إصلاحية، لأننا سنبقى حبيسي النظرة الاستعلائية للمؤلف التربوي ومحكومين بالتعليمات التربوية السيادية، وحتى بكل ما يقرره بعض المتدخلين في القطاع التعليمي الذين لا علاقة لهم بالواقع أو حتى بمتطلبات المرحلة التي يعيشها المجتمع المغربي في ظل العولمة والتغيرات السياسية والاجتماعية المحيطة بنا.

إن القراءة تحيي الجهول والضعيف وتبني الصروح وتنعش القلوب الميتة، لأنها تنقل القارئ إلى مرافئ وفضاءات مختلفة عما يعيش فيه وعما يراه يومياً وذلك برفع مستوى التخييل لديه وإنعاشه وإحيائه من أجل الإبداع والخلق.

ولن يتحقق كل هذا إلا في إطار خلق مناخ سليم للقراءة الحرة بمدارسنا العمومية، دون الارتباط بجوائز معينة أو حتى برغبات بعض الجهات أو الأطراف الذين يبحثون عن موطئ قدم لهم في الساحة الاجتماعية لتحقيق مآربهم وغاياتهم المختلفة.

إن بناء مجتمع قارئ يتطلب خلق مناخ جيد وسليم للقراءة الحرة في مدارسنا العمومية بالدرجة الأولى، ودفع الناشئة إلى الانخراط المكثف في العملية والدخول في منافسة فيما بين المتعلمين بتحفيزهم ودعوتهم إلى القراءة باستخدام أسلوب التحبيب والترغيب لا الترهيب والعقاب.

فكل ما يأتي بالتحبيب لا يأتي بالترهيب، خاصة وأن الطفل واليافع في مجتمعنا المغربي يعيش أزمة في هويته الذاتية والثقافية نظراً لتعاطيه المكثف والكبير مع وسائل التكنولوجيا وارتباطه بالآخر أكثر من ارتباطه بالمحلي والذاتي والوطني. فلو وجد ملاذاً آمناً وسليماً للقراءة والارتباط بثقافته لما هاجر أو بحث عما يشبع رغبته ونهمه إلى المعرفة الإيجابية أو السلبية.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.