•  منذ 1 سنة
  •  1
  •  0

كاتب(ة) : شريف نجاح

اغتنم فقرك قبل غناك

وكما يقال اغتنم غناك قبل فقرك.. يقال كذلك اغتنم فقرك قبل غناك.

ففي الفقر بطولات إنفاق لا تتوفر في الغنى منها (ويطعمون الطعام على حبه) بمعنى أنهم لن يجدوه بعد إنفاقه ولا فرصة لاقتسامه.

ومنها بطولات يقين لا تتوفر في الغنى فكثيرا ما يكون معنى قيامك بالواجب الأخلاقي والإنساني تجاه أسرتك و معارفك على مستوى الشهر والأسبوع والعام مجازفة بالمستقبل والأمان لا اعتماد لك فيها إلا على ما يقدره الله.
ومنها فرص لتدريب البصيرة وتقوية الرأي وتحسينه، والتعود على نزع الوهم وغبش الشكوك وضلالة الاحتمالات، حين تنفق ما لن يغنيك ولن يوفر لك كثير أمن ولو ضممته شهرا إلى شهر وعاما إلى عام وقد تؤتى أضعافه في هبة وصفقة عادية تتكرر كثيرا في الناس ناهيك عن التيسيرات اليومية.

ولا شك أن ضلالة الشكوك وتوهمات الجزع مما يحول بين الإنسان واقتحام الفوز كما قال الشاعر حين مواجهته للأسد الكاسر:
إن ينزع الله قناع الشك
أراه في قبضتي وملكي

و هذه التجربة حين تتكرر تؤثر يقينا في القدرات العقلية وحسن المعرفة والنظر وتقدير الأمور.. و ذلك مما يعيننا على فهم قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)[البقرة: 267-270]

حيث جاء ذكر إعطاء الحكمة بعد تجاوز وعد الشيطان بالفقر و تخويفه من المستقبل، وأنها خير كثير ، فمن جوانبها أن الحكيم لا يحرم نفسه ومن حوله و يعيش مستريحا حميدا، بينما نظيره في المال غير الحكيم يعيش في ضنك وحرمان و تضييق و جلبا لسخط الناس والأحبة و مضيعة للحقوق والواجبات بلا طائل ولا فائدة، وفي النهاية بعد مرور سنوات قليلة يجدان أنفسهما قد تساويا وقد يرتفع الحكيم من حبيب نفعه سابقا.

ذلك جانب من الحكمة سيمتد كذلك للعلوم والمعارف (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة)

ومن المدهش أن الآية الأولى في هذا الموضع فيها (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) وهو توفير لن يخلف الكثير فهو حمق محض.

أما الحالة المتوسطة ماديا فهي الحالة الأعظم في مجال الاختبار والبطولات والحكمة، لأن القيام بالنفقة المناسبة و معاونة المسلمين سيكون مجموعها مشروع صغير تتنازل عنه كل عام.. مما يعني تنمية يقينية تتنازل عنها، فوهم الموازنات المستقبلية فيه أكبر، واحتياج اليقين في بركات الله وجزاء الآخرة أعظم.


وفي هذه الحالة يأتي قول نبينا ﷺ عندما جَاءَ رَجُلٌ اليه فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى» رواه مسلم.

فالحديث هنا عن حالة الشحيح الذي يمتلك وليس فقيرا، ولكن وهم الفقر محتمل وهذا معناه أن الصدقة المقصودة هي الصدقة المؤثرة التي لو تراكمت في صندوق توفيرك لأحدثت غنى لشخص يحتويها.

وأمل الغنى ببريقه وأشواقه يداعب خيالك، ناهيك عن الصحة التي تفتح لك أشواق الاستمتاع بالزوجات والرحلات والمطعمات والذريةـ وتعطيك القدرة على النشاط والسعي وبناء الثروة.. فالحديث غاية في الدقة وبراعة التوصيف.

قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من رؤية المصادر
هذا المقال لا يعّبر بالضرورة عن رأي شبكة لاناس.